بدأت تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تمتد بقوة مؤثرة على اقتصادات دول آسيا، خاصة في قطاعات الطاقة والغذاء وسوق العمل.
ويحذر تحليل صادر عن مركز سوفان، من أن تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز قد يدفع عدداً من الدول نحو ركود اقتصادي، في ظل اعتمادها الكبير على واردات الطاقة من الخليج. وأن آثار الحرب تمتد لتربك منظومات الأمن الغذائي وأسواق العمل والهجرة في عدة دول آسيوية.
وتشير الباحثة جولي تشيرنوف، أستاذة العلوم السياسية، والتي كتبت التقرير، إلى أن استمرار هذه الضغوط قد يفاقم من هشاشة الاقتصادات الآسيوية، ويزيد من احتمالات التباطؤ أو الركود، في ظل حجم الصدمات التي تتعرض لها اقتصادات آسيا مع تباين في مستوى التأثر وقطاعاته.
وفي حين تبدو اليابان وكوريا الجنوبية من بين الأكثر عرضة لأزمة الطاقة، تبرز الصين، كأحد المستفيدين المحتملين، من توسعها في الطاقة المتجددة التي تعتمد عليها بنحو 50% وتنشط في مشروعاتها دوليا، وفي المقابل، تواجه دول مثل باكستان وبنجلاديش والفلبين ضغوطاً حادة؛ نتيجة اعتمادها الكبير على الطاقة والتحويلات المرتبطة بدول الخليج.
أزمة الطاقة تضرب الدول الأكثر اعتماداً على الخليج
تشهد آسيا صدمات وارتدادات عبر عدة قطاعات اقتصادية؛ نتيجة حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، وتظهر الآثار السلبية الممتدة عبر قطاعات الطاقة والغذاء والعمل في جنوب وجنوب شرق آسيا. كما تؤثر أزمة الطاقة أيضاً على أجزاء من شرق آسيا، وإذا انهار وقف إطلاق النار بعد فشل المحادثات في إسلام آباد، وإذا ظل مضيق هرمز معطلاً، فإن هناك خطراً متزايداً، بأن أجزاء كبيرة من آسيا قد تواجه ركوداً اقتصادياً.
الفلبين وفيتنام وباكستان
الفلبين هي في الوضع الأكثر خطورة، إذ تستورد 90% من نفطها من الشرق الأوسط، وأعلن الرئيس فرديناند ماركوس حالة الطوارئ الوطنية في 24 مارس، حيث أكدت وزارة الطاقة، أن البلاد لا تملك سوى ما يكفي من الاحتياطي لـ53 يوماً من الغاز، 46 يوماً من الديزل، 39 يوماً من وقود الطائرات.
فيتنام التي تستورد 85% من نفطها من الكويت، لديها فقط إمدادات تكفي لتلبية الطلب حتى نهاية إبريل، كما أن باكستان شديدة الهشاشة أيضاً، إذ تستورد إسلام آباد 99% من الغاز الطبيعي المسال من الإمارات، وعموما 40% من إجمالي طاقتها من منطقة الخليج.
الأمن الغذائي
يمثل انعدام الأمن الغذائي تهديداً حقيقياً أيضاً، وفقاً لوكالة بلومبرج، يواجه المزارعون في كمبوديا وتايلاند والفلبين وفيتنام صعوبات؛ بسبب نقص الأسمدة، وارتفاع أسعار الديزل اللازم لتشغيل أنظمة الري وزراعة الأرز والجرارات.
وقد يؤدي ارتفاع تكاليف هذه المُدخلات، إلى جانب ضعف هوامش الربح، إلى أن تُزرع كمية أقل من الأرز هذا العام، أو ربما لا يزرعون أي محصول على الإطلاق. وهذا قد يؤدي إلى ارتفاع الفقر في المناطق الريفية، في وقت تواجه فيه هذه الدول أيضاً ضغطاً مزدوجاً؛ بسبب أزمة الطاقة.
كوريا الجنوبية واليابان
بينما تمتلك كوريا الجنوبية واليابان احتياطيات نفط استراتيجية أكبر، يمكن أن توفر دعماً مؤقتاً، إلا أن كلتيهما تبقى عُرضة لصراع طويل الأمد، حيث تستوردان ما بين 70% (كوريا) و95% (اليابان) من نفطهما على التوالي من منطقة الخليج.
وباعتبارهما منتجين للنفط، فقد تأثرت إندونيسيا وماليزيا بشكل أقل نسبياً من دول أخرى في المنطقة، وقد التزمتا على الأقل في الوقت الحالي، بسياسات الدعم الحكومي لتخفيف الصدمات الناتجة عن الحرب.
وعلاوة على ذلك، وبما أن ماليزيا هي أقرب حليف لإيران في المنطقة، وتضم أكبر جالية فارسية في جنوب شرق آسيا، ولديها روابط سياسية واقتصادية واجتماعية واسعة، فقد أدانت كوالالمبور العمليات الأمريكية والإسرائيلية تجاه إيران بشكل أشد من باقي دول رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، وفي المقابل، سمحت إيران للسفن الماليزية بالمرور عبر مضيق هرمز.
العمالة والتحويلات: شريان اقتصادي مهدد
تؤثر الحرب أيضاً على الهجرة العمالية في المنطقة، في كل عام يسعى ملايين الباكستانيين والفلبينيين، ومئات الآلاف من إندونيسيا وتايلاند إلى فرص عمل في الشرق الأوسط (الخليج خصوصا).
ويقدّر الدكتور شجاع فاروق، أستاذ الاقتصاد في معهد باكستان لاقتصاديات التنمية، أن حوالي 6 ملايين باكستاني يعملون في دول الخليج.
كما تقدر وزارة شؤون المغتربين والعمالة الخارجية في بنجلاديش، أن أكثر من 5 ملايين من مواطنيها يعملون في الخليج.
ووفقاً لوزارة الخارجية الفلبينية، يعمل ما يزيد عن 2 مليون و400 الف في الشرق الأوسط، معظمهم في السعودية والإمارات، وتعتمد هذه الدول الثلاث على التحويلات المالية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي.
وتعد الفلبين الأكثر تأثراً، ويقدر البنك المركزي الفلبيني، أن التحويلات من المنطقة تمثل 18% من اقتصاد الفلبين، بينما تتراوح النسبة في باكستان وبنجلاديش بين 5% و9%.
إجراءات التقشف في آسيا
تتخذ الدول الآسيوية إجراءات تقشفية لمواجهة الأزمة: تتفاوت من دولة إلى أخرى، على سبيل المثال: بدأت فيتنام وكوريا الجنوبية وبنجلاديش وتايلاند تقنين الطاقة.
وطبقت إندونيسيا وفيتنام وكوريا الجنوبية وماليزيا وبنجلاديش وتايلاند سياسات العمل من المنزل للموظفين الحكوميين أو عامة السكان. وقلص المسئولون الحكوميون في الفلبين وباكستان أسبوع العمل إلى أربعة أيام.
أما شركات الطيران فقد دخلت حالة طوارئ، منها أربع شركات في كوريا الجنوبية ودعت الحكومة المواطنين إلى ترشيد استهلاك الطاقة، مثل استخدام الدراجات في الرحلات القصيرة.
بينما تستخدم اليابان احتياطاتها من الطاقة، لكن نقص الوقود له تأثيرات واسعة ومتعددة، وأحيانا غير متوقعة، تشير الدكتورة سنا جعفري، الباحثة والمحاضرة في قسم التغيير السياسي والاجتماعي في الجامعة الوطنية الأسترالية، إلى أن بنجلاديش اضطرت إلى إغلاق جامعاتها، وأن باكستان اضطرت إلى إغلاق مدارسها لتوفير الطاقة.
الصين مستفيد أساسي من أزمة الطاقة في آسيا
تعد الصين في موقع فريد في المنطقة؛ بسبب برنامجها للتنويع الداخلي واستثماراتها الكبيرة في الطاقة المتجددة، وهي تحصل بالفعل على 50% من كهربائها من الطاقة المتجددة، وبالتالي، فإن بكين أقل عرضة بكثير من جيرانها لتأثيرات أزمة الطاقة.
بل قد تمثل هذه اللحظة فرصة فريدة للصين لتوسيع نفوذها في أسواق الطاقة في جنوب شرق آسيا عبر مساعدة دول المنطقة على تطوير قطاع الطاقة المتجددة الخاص بها.
وقد التزمت رابطة آسيان بالفعل بتوسيع قطاع الطاقة المتجددة، وحددت هدفاً للوصول إلى 45% طاقة متجددة بحلول عام 2030.
بينما يشير ديفيد هَت، كاتب عمود في مجلة شؤون جنوب شرق آسيا the diplomat، إلى أنه قبل الحرب كانت الصين تستثمر بالفعل في السدود الكهرومائية والمزارع الشمسية والمصانع التي تنتج السيارات الكهربائية والألواح الشمسية والبطاريات في دول البر الرئيسي لجنوب شرق آسيا.
كما أن الصين تعد مستثمراً رئيسياً ومورداً للتكنولوجيا لمشروع شبكة الطاقة الآسيوية، لكن إغلاق مضيق هرمز وتأثيراته على أسواق الطاقة في المنطقة، أبرزت ضرورة تنفيذ هذا التحول.
ومع انشغال الولايات المتحدة بالحرب مع إيران، وهو ما ساهم إلى حد كبير في خلق أزمة الطاقة الحالية في جنوب شرق آسيا، تستطيع الصين، أن تقدم نفسها كبديل مسؤول للولايات المتحدة غير الموثوقة، إضافة أنه مع ابتعاد الولايات المتحدة عن الطاقة المتجددة والتركيز على الوقود الأحفوري، يمكن للصين أن تملأ هذا الفراغ.






