لا يمر يوم إلا ونستيقظ على جريمة، وقعت في مكان ما على أرض مصر، جرائم متوالية أشبه بدخان ينبه إلى نار مستعرة تحت رماد كثيف، إنه رماد الصبر على الضيم والإفقار، إما بحكم تمرس المصريين عليه واستعذابهم له، وإما لخوفهم المزدوج، مرة على المجتمع من الفوضى، إن خرجوا بصدور عارية يئنون مما هم فيه، ومرة من عقاب سلطة، زجت في السجون بآلاف من المعترضين ولو لفظا، عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

وتدرك الأغلبية الكاسحة من المصريين ما هم فيه من إفقار متواصل، أدى إلى انهيار الطبقة الوسطى، ورمى الفقراء تحت خط الكفاف، ومن كانوا تحت هذا الخط، يندهش الحكماء والعلماء ويتعجبون من بقائهم على قيد الحياة أصلا، ويرونه أحد الأبواب الواسعة لانهمار الجرائم.

ويوجه أغلب المصريين أصابع الاتهام إلى السلطة في إفقارهم، الذي يعود الجانب الأكبر منه إلى سياسات هوجاء رعناء فاشلة، كانت مصر في غنى عنها. ورغم أن فرص اختبار ما مضت فيه السلطة الحالية قد تكررت وتجددت، فإنها صمت آذانها عن مطالب الشعب، وأعطت ظهرها لتنبيه ذوي الخبرة، ومضت فيما تراه، رغم آثاره الجارحة على المجتمع كله، ومنه بالقطع على الدولة التي يكون المجتمع في قلبها من حيث التكوين، وفي مقصدها من حيث الوظيفة، وفي صلبها إن تحدثنا عن بقاء الدولة ووجودها.

وعلى مدار التاريخ واجه المصريون حالات شبيهة، لا سيما في زمن حكم العثمانيين الذين ولوا المماليك الإدارات المحلية للبلاد، ولم تخرج تصرفات الناس عن ستة مسارات:

1 ـ المقاومة: حيث قامت احتجاجات متقطعة بين زمن وآخر، إثر اعتراضات الفلاحين في الريف، وأهل الحرف في المدن، على الظلم الواقع عليهم؛ نتيجة فرض ضرائب باهظة على كل شيء وأي أحد. ولم يكن بوسع هؤلاء تغيير الأوضاع جراء تفرقهم، وتقطع احتجاجاتهم، وغياب أي تنظيم يجمعهم، أو قائد ينهض بهم، في مقابل ضراوة الممسكين بعصا السلطة، حيث فرضوا الأمر الواقع، وأخمدوا أي احتجاج في مهده، ونكلوا بأهله، وساعدهم في هذا الوجهاء أصحاب الالتزام في الريف، وبعض شيوخ الطوائف الحرفية في المدن.

2 ـ الوساطة: ويتم هذا من خلال مشايخ الطرق الصوفية وشيوخ الأزهر وبعض قادة الجند، الذين كانوا يتدخلون أحيانا منبهين من بيده الأمر إلى أنين الناس جراء الضرائب، محذرين من هياج بسبب الإفقار المتوالي والقبضة الشديدة.

3 ـ التحايل: حيث كان الناس يلتفون على قرارات السلطة وتدابيرها، فيفرغونها من مضمونها تباعا، بينما يتظاهرون بالامتثال والطاعة.

4 ـ الدروشة: ففي أوقات الفقر والظلم الشديد، وحين يعجز الناس عن استيعاب ما يجري لهم، ولا يقدرون على بذل أي جهد في سبيل تغييره، في وقت لا يرون فيه ضوءاً في نهاية النفق الذي يمرون به، يلجأون إلى الانخراط في التدروش، ويقصدون من يزعمون اطلاعهم على بعض الغيب، باختلاف أنواعهم.

5 ـ الهروب: حيث كان كثير من الفلاحين يهجرون الأرض التي يزرعونها، ويهربون من قراهم، للبحث عن ملتزم آخر، يجدون في كنفه بعض العدل والرأفة، وفي المدن كان بعض أصحاب الحرف يتركونها، إن عجزوا عن دفع الضرائب الباهظة الظالمة التي تفرض عليهم.

6 ـ التناحر: وهذا المسار هو الأشد قسوة، وأكثر فداحة، حيث يتآكل المجتمع داخليا، فيسعى أعضاؤه إلى البحث عن حل فردي لمشكلاتهم أولا، دون اعتبار ملموس لمشكلات الآخرين، وهذا السعي الذي يتم في ظل ندرة وقهر، يؤدي ثانيا إلى صراع مع الآخرين حول تحقيق المصالح الصغرى، وانتزاع المنافع الضيقة، وهذا الصراع قد يقف لدى البعض عند حالة من التربص والحنق، ويمتد عند البعض إلى إلحاق الأذى اللفظي والمادي بالآخرين، ومن هنا تفتح النوافذ إلى الجرائم على مصاريعها.

وهذا الأذى قد يلحقه الشخص بأقرب الناس إليه، داخل الأسرة الواحدة، أو حتى بنفسه حين يسقط في اكتئاب، قد يفضي إلى الانتحار، أو إدمان قد يؤدي إلى الانهيار، أو تفلت يذهب به إلى حال من اللا مبالاة، بما يجعله يتحول سريعا إلى عبء على نفسه وأهله ومجتمعه.

وخيار التناحر يعني أن يدرك المجتمع، أنه غير قادر على مواجهة عسف السلطة وظلمها، بما يساعده في الوصول إلى حل جماعي أو عام لمشكلاته، فيدخل في صراع مفتوح مع أفراد المجتمع، يستبيح فيه كثير من الناس كل شيء، لا سيما إن وجدوا أن بقاءهم على قيد الحياة مهدد، وهذا يتم حين يعجز المرء منهم عن تدبير قوت يومه.

ويمكن لسلطة سياسية غارقة في الأنانية وقصور النظر، أن تستريح لهذا المسار، وتفضله عن وجود قوى فاعلة مناهضة لها بين الناس، تستطيع أن تعكس مطالبهم، أو تنظم جهدهم لتضغط في سبيل ترشيد القرار، وتحسين الأحوال، لكنها لا تدرك أن مجتمعا يتناحر، يعني انجراف التربة من تحت أقدام هذه السلطة تباعا، حتى تنجرف هي نفسها إلى الهاوية.

كما لا يوجد ما يمنع مجتمعا متناحرا، من أن يستعيد قواه الفاعلة في زمن وجيز، خاصة في ظل ثورة الاتصالات التي أعطت الناس وسيلة للتفاعل والتواصل والحشد، فإن حدد المجتمع أسباب ما هو فيه من فقر وضيم وحيف، ثم أشار بشكل لا مواربة فيه إلى من يفقره ويقهره، وتأكد من أن الحياة لن تستقيم إلا بمواجهته، فوقتها سينفجر في وجهه، لا سيما إن تساوت عنده كل الاحتمالات، ولم يجد بُدا من الصراخ.

وتأتي في ركاب خيار التناحر الاجتماعي هذا ظاهرة انتحار الشباب، فبعد سنوات قليلة من هذه الثورة المجهضة عادت حوادث الانتحار هذه تتوالى، حتى صارت ظاهرة، لا تخطئها عين بصيرة، ولا أذن سميعة، ولا ضمير حي.. وساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في انتقال أخبار المنتحرين بسرعة خاطفة، وراحت كثير من التعليقات، التي يتجاذبها الجمهور في خفة، تربط وقائع موتهم المؤلم بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية القابضة.

في كثير من المرات لم يترك المنتحرون فرصا لتأويل مفتوح حول الأسباب التي جعلت هؤلاء يختارون إنهاء حيواتهم على هذا النحو القاسي، نظرا لأن الراحلين تركوا شرحا لأسباب انتحارهم، في تدوينات على صفحاتهم في فيسبوك، أو فيديوهات ظهروا فيها صوتا وصورة، يعلنون عن عزمهم الموت بأيديهم، بعد أن ضاق بهم العيش، وانقضت في عيونهم فسحة الأمل.

لا يعني هذا أن دوافع تكرار انتحار الشباب يعود جميعها إلى أسباب عامة، تحمل أوزارها السلطة السياسية، والمجتمع الذي تتراجع فيه الرحمة والتساند، فلا تزال هناك مشكلات تحتد بين الأهل، وإخفاقات في تجارب عاطفية، وموت بفعل جرعات زائدة من المخدرات، علاوة على وجود “الاكتئاب الانتحاري“، وهو حالة من القنوط العميق الأسود الذي يجعل صاحبه، يرى طريق التخلص من حياته هينا لينا، فيمضي فيه دون تردد، بل يفعل هذا في سعادة غامرة غريبة.

ويحلو لعلماء النفس والاجتماع المقربين من السلطة السياسية، أن يدفعوا عنها وزر من انتحروا، فيعزون هذا كله، دون روية ولا تمهل ولا ورع، إلى أسباب شخصية، نفسية كانت أو أسرية ضيقة، بينما يذهب معارضوها في الاتجاه المضاد، فيُرجعون ما جرى إلى الظروف الاقتصادية الصعبة، وانسداد الأفق السياسي، وعجز المجتمع عن تقديم يد العون أو توفير الطبابة أو التسرية.

ويدفعنا هذا الخلاف، إلى أن نتمهل عند كل حالة على حدة لنتبين الأسباب ونجلوها، وفي هذا لا ينكر إلا غافل أو متحامل، أن حوادث الانتحار الأخيرة تقف وراء أغلبها أسباب عامة، قد تؤدي مباشرة إلى وقوعها، لا سيما مع استفحال البطالة، التي تدفع شبابا كثر إلى المغامرة والمقامرة بمحاولة ركوب البحر هروبا إلى أوروبا، أو بشكل غير مباشر مع الشعور بالامتهان بفعل الاستبداد السياسي، أو المرور بتجارب قاسية في التعامل مع إدارات الدولة، والفشل في ترويض المخاوف التي تملأ النفوس من الوقوع في دائرة المخالفة أو التمرد، أو جراء اللجوء إلى المخدرات والخمور الرخيصة، التي زادت بشكل مفزع، لتساعد المدمنين على الهروب من واقعهم الأليم.

وحتى مرض الاكتئاب واضطراباته لا يمكن فصل بعضه عن الضغوط الشديدة التي يصنعها السياق العام في ضراوته واستهانته بأحوال الناس، فهذا من شأنه تعميق المرض، فإذا أضيف إلى ذلك عجز البعض عن توفير العقاقير التي تعالج الاكتئاب؛ نظرا لارتفاع أثمانها على رقيقي الحال الذين يمضون بلا تأمين صحي مناسب، نكون أمام سبب آخر لتحميل الدولة جانبا من وقف هذه المشكلة، أو تخفيفها إلى حد مساعدة أصحابها على الصبر والتحمل، كي يمضوا، ولو بأمل خافت، على قيد الحياة.

وحتى الذين يقدمون على ما أقدم عليه أولئك الذين رأيتهم في عنبر الحرقي قبل ثلاثين عاما، لا يمكن أن نعزل الكثير من مشكلاتهم الأسرية في وقتنا الراهن، عما تعاني منه الطبقة الفقيرة من ضيق ذات اليد، كما أنبأتنا بعض الحوادث، ومنها تلك التي أطلق فيها رب أسرة النار على أولاده وزوجته ثم قتل نفسه، بعد أن عجز عن الإنفاق عليهم، وسجل ما يؤكد هذا قبل إقدامه على هذا الفعل الشنيع.

إن هذه الظاهرة الخطيرة تحمل دلالة واضحة على مرض أصاب مجتمعنا، لا سيما في السنوات الأخيرة، ولا يمكن الاطمئنان في تفسيرها إلى الأسباب الواهية التي يسوقها أولئك الذين يسعون دوما إلى غسل أيديهم من هذا العار.

في النهاية، لا أريد أن أذهب بعيدا في البحث عن إطار تفسيري لما جرى، محيلا إياه إلى الصراع السياسي الذي جعل القتل في حياتنا خلال السنوات الأخيرة أمرا عاديا، يستعذبه البعض، ويبرره آخرون، ولا أحيل إلى الظروف الاقتصادية الصعبة التي تسد أبواب الأمل أمام الشباب في تكوين أسرة مع من يريدونه، ولا إلى المخدرات التي انتشرت كالنار في الهشيم، حتى أفقدت ملايين الشباب القدرة على التفكير الرائق السليم الذي إن لم يوقظ الروح، فعلى الأقل يعلي المصلحة والأمان الشخصي، فكل هذا قد يشكل هروبا أو انحرافا عن جوهر المأساة، المرتبط بالتغير الذي طرأ على تفكير شريحة من مجتمعنا، أخشى كل الخشية أن تتسع بمرور الوقت، فتبتلع كل أحد، وكل شيء.