جددت القاهرة، قبيل نهاية إبريل جهودها المتسارعة لتعزيز قنوات الاتصال بين طهران والأطراف المعنية، بالتنسيق مع الدوحة، بهدف استكمال محادثات إنهاء الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران.
وتسلّط هذه التحركات الضوء مجددًا على تصاعد المخاوف المصرية من امتداد تداعيات الصراع إلى جنوبي البحر الأحمر، لا سيما مع تجدد انخراط جماعة الحوثي في الأزمة، وتهديداتها المتقطعة منذ نهاية فبراير الماضي، بوقف حركة الملاحة؛ وهو ما ينذر بإلحاق خسائر جديدة بالاقتصاد المصري، قدّرها الرئيس عبد الفتاح السيسي بنحو 10 مليارات دولار خلال عامين من الحرب على قطاع غزة.
وفي ظل تحديات يواجهها الاقتصاد المصري تعوق تحسّن أدائه على المدى القريب، تبرز التهديدات الحوثية، بالرغم من هوامش التفاهم مع طهران، باعتبار تصريحاتهم تمثل عاملا مقلقا وخطرا على الأمن القومي المصري في جنوبي البحر الأحمر. ومن ثم، تطرح هذه التطورات إشكالية رئيسية مفادها: كيف يمكن للقاهرة احتواء تداعيات التصعيد في هذا المجال الحيوي، في ظل تداخل المسارات الإقليمية، واختبار فاعلية التنسيق مع شركائها، وفي مقدمتهم السعودية، لضمان استقرار البحر الأحمر.
ورقة إيران في التصعيد الإقليمي
تبرز قدرة إيران على التفاوض مع الولايات المتحدة خبرة الأولى الواضحة في التعامل مع الثانية. كما أن ماراثون المفاوضات الجارية في إسلام آباد وتعليقات الرئيس الأمريكي “اللحظية” تشير إلى حالة ضبابية لا يمكن معها التنبؤ بنهاية واضحة لهذه المفاوضات أو استبعاد سيناريو تجدد الحرب بمستويات ربما أعمق.
وفيما تستمر المناوشات في مواقف أطراف التفاوض، فإن الحوثيين يُبدون تأهبًا “دائمًا” لدخول الحرب. وكان من آخر هذه التهديدات تصريحاتهم عقب اضطراب الملاحة في مضيق هرمز بين قرار فتحه، ثم غلقه ثم إعلان الولايات المتحدة فرضها حصارًا بحريًا على مواني إيران منذ منتصف إبريل الجاري.
ويعني التهديد الحوثي بغلق مضيق باب المندب خسائر آنية لمصر والسعودية، بحرمان قناة السويس في الأولى من الجانب الأكبر من حركة المرور بها، والثانية بإلحاق خسائر كبيرة بحركة ميناء ينبع الذي تستخدمه الرياض بديلًا مؤقتًا؛ لتصدير نفطها بعد غلق مضيق هرمز.
وبغض النظر عن جدية تهديدات الحوثيين، وارتباط ذلك بمسار التفاوض الحالي، فإن استخدام ورقة الحوثي من قبل طهران يظل بلا شك “خيار شمشون” الذي يعني عمليًا نهاية التفاوض والوصول بالعمليات العسكرية حتى مرحلة نهائية.
على سبيل المثال، رصدت تقارير غربية (24 إبريل) تهديد عدد من أبرز قادة الحرس الثوري الإيراني بمواصلة الحركة في جنوبي البحر الأحمر (عبر جماعة الحوثيين) والقيام بعملية خاطفة “لقطع الكابلات البحرية” المارة بمضيق باب المندب، وأنه بدا من هذه التهديدات، أن العملية “قد خُطط لها بالفعل” انتظارًا لقرار القيام بها.
لكن هذه التهديدات تظل في دائرة الترقب والانتظار، وربما النظر لها كمواقف تكتيكية لدعم “المفاوض الإيراني” في ماراثون إسلام آباد؛ أخذًا في الاعتبار مساعي الرياض الحالية لاحتواء الحوثيين، كما يتضح في انعقاد لجنة التنسيق العسكري (بين الحوثيين والسعودية) التي عقدت منتصف إبريل في العاصمة الأردنية عمان برعاية الأمم المتحدة.
في سياق متصل، لاحظ مراقبون عسكريون عدم تهديد الحوثيين (أو قيامهم بضجة) عند مرور حاملة الطائرات الأمريكية جيرالد فورد مجددًا بمضيق باب المندب إلى شمال البحر الأحمر دون أية تهديدات تذكر.
رغم ذلك، لا يمكن تجاهل تصريحات عبد الملك الحوثي زعيم الحوثيين (21 إبريل) التي أعاد فيها تأكيد الاستعداد لمواجهة “العدو الصهيوني الإسرائيلي وشريكه الأمريكي” (في الشرق الأوسط)، وأن اتجاه جماعته سيكون نحو التصعيد “إذا قام العدو بالتصعيد، والعودة للتصعيد مجددًا”.
مع وضع هذه التصريحات في سياق مساومات، باتت تقليدية في الإقليم، ومنها عزم الحوثيين على فرض رسوم على جميع السفن التجارية المارة بمضيق باب المندب “اقتداءً بسياسة طهران الحالية في مضيق هرمز والتي تفرض ما يصل إلى مليوني دولار للسفينة الواحدة”، حسب لويدز ليست Lloyd’s List. وهي التقارير التي نفاها الحوثيون بالفعل، لكنها تمثل مؤشرًا لحجم المخاطر المحتملة في المنطقة على الصعيدين التجاري والعسكري، وتلحق أضرارًا آنية بدول البحر الأحمر وعلى رأسها مصر (والسعودية كصلة بالغة العمق هنا) في السياق الحالي.
أولوية الدبلوماسية
أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي محادثات هاتفية هامة (26 إبريل) مع نظيريه القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني والإيراني عباس عراقجي ضمن جهود مصر لخفض التصعيد والتوتر الإقليمي، والتأكيد على مسار الحوار كضمانة أولية “ضد توسع الصراعات في الإقليم”، أو امتدادها إلى جنوبي البحر الأحمر، حسبما يفهم من هذا السياق.
وجاءت التحركات الدبلوماسية تلك بعد نحو 24 ساعة فقط من جهود مماثلة (24 إبريل) مع عُمان وباكستان. ويتوقع مواصلة القاهرة، التي أكدت مرارًا وبتصريحات رسمية على دعمها الكامل لأمن دول الخليج العربي، مساعيها تلك لتجنيب المنطقة العودة مجددًا لحالة الحرب المفتوحة، وكذلك تمددها المرتقب عندئذ إلى جنوب البحر الأحمر.
وجاء التحرك المصري على خلفية تصعيد واضح هذه المرة (لا سيما بعد محاولة اغتيال الرئيس الأمريكي ترامب 25 إبريل، والتي يمكن أن تمثل نقطة لتصعيد جديد في الرؤية الشعبوية لترامب رغم نفيه لعدم ارتباط إيران بها، ورغم تصريحه “أنه يمكن للإيرانيين التواصل مع واشنطن هاتفيًا، إن أرادوا” وكذلك رغم إنكاره أن قرار إلغاء إرسال الوفد الأمريكي إلى إسلام آباد “يدل على أية خطوة لاستئناف الهجمات ضد إيران.
توسيع نطاق التهديدات
وضمن ملف البحر الأحمر والقرن الإفريقي، تسابق القاهرة الزمن، ربما، للحيلولة دون مزيد من تدهور الأمور، لا سيما إذا أخذنا في الاعتبار تطورات إقليم أرض الصومال وصلته المتنامية بإسرائيل، واحتمالات تنشيط إثيوبيا سياساتها العدائية في الحوض عقب انتخابات يونيو 2026 العامة، وما ورد من تقارير دالة على انخراط أمريكي قوي في إريتريا من بوابة تطبيع العلاقات الثنائية، وما يعنيه ذلك من تحقيق قيمة مضافة لأهم “شركاء” الولايات المتحدة المخلصين في البحر الأحمر حاليا: إسرائيل والإمارات،
هذه التطورات قد تمثل صلة قد تدفع مواقف جماعة الحوثي القابلة للتصعيد، وترتبط بطبيعة الحال بتطورات الحرب على إيران.
حسابات الحوثيين
فى السياق، هناك حسابات جماعة الحوثي، على مستويين محلي وإقليمي، وصلتها الحالية والمستقبلية بالرياض، وبالقاهرة، وتأكيدٌ مصري على ضرورة حفظ السلم والأمن الإقليميين في حوض البحر الأحمر، كما تصب هذه الجهود المصرية بطبيعة الحال في مصلحة دول الإقليم وبحماية خطط القاهرة التنموية المستقبلية في البحر المتوسط، وهي وثيقة الصلة بحركة التجارة عبر البحر الأحمر إلى أوروبا مرورًا بمصر.
وعلى سبيل المثال، فإن تنفيذ الحوثيين تهديداتهم حال توسع رقعة الحرب سيلحق ضررًا مباشرًا بمشروع ربط ميناء دمياط في شرقي الدلتا بميناء تريستي Trieste الإيطالي، وصلة هذا المشروع الفرعية بميناء سفاجا على البحر الأحمر لنقل البضائع للأسواق الخليجية.
خيار مجلس البحر الأحمر
لا يمكن فصل مقاربة مصر تجاه العامل اليمني في جنوبي البحر الأحمر عن نظيرتها السعودية؛ لا سيما مع مواجهة القاهرة والرياض نفس التهديدات تقريبًا، وعلى نحو أقرب للتطابق التام. وعلى سبيل المثال، فإن العاصمتين تواجهان نفوذًا إماراتيًا متمددًا في اليمن والصومال ومدخل البحر الأحمر الجنوبي، على نحو يمس مصالحهما بشكل مباشر للغاية (كما يتمثل في خسائر اقتصادية لحظية وتآكل في المصالح الجيو استراتيجية على نحو غير مسبوق منذ سبعينيات القرن الماضي).
كما أنهما تواجهان تهديدات النفوذ الإيراني في اليمن وتداعياته السلبية على بناء الأمن في الإقليم (سواء من قبل طهران أم من قبل السياسات المضادة لها)، وكذلك التقت مصالحهما ومخاوفهما في ضرورة مواجهة الافتئات الإسرائيلي (والأمريكي في مستوى أعمق وأكثر خطورة) على سيادة الدولة واستقلالها في حوض البحر الأحمر.
ومن ثم، فإن جهود الرياض الأخيرة لاحتواء الحوثيين، يمكن أن تكون خطوة مهمة للغاية في مسار ثنائي مصري سعودي.
ويعزز هذه الفرضية مخرجات اجتماع عمان (19- 20 إبريل الجاري) لتمديد الهدنة الموقعة بين الحكومة اليمنية والحوثيين وقيادة القوات المشتركة للتحالف السعودي (2022)، إذ أكد مسئولون بمجلس القيادة الرئاسي اليمني أن “خيار السلام مع جماعة الحوثيين يظل مطروحًا على طاولة المفاوضات، إن لم يرفضوا الانخراط بها”، وهو الأمر الذي تتعزز حظوظ تحققه مع الإعلان عن اجتماعات ثلاثية (سعودية ويمنية حكومية وجماعة الحوثي) مرتقبة في المستقبل القريب.
ويبدو من قراءة التحركات المصرية في حوض البحر الأحمر وفي اليمن تحديدًا منذ نهاية العام الماضي 2025، وهي التحركات التي حظيت بدعم من قبل الرياض، أنه ثمة توجه متسارع نحو تنشيط مجلس الدول العربية والإفريقية المشاطئة للبحر الأحمر كضمانة لحماية نظام الأمن الإقليمي به.
وقد أشار إلى ذلك وزير الخارجية بدر عبد العاطي في حديث أخير له (Atlantic Council, April 17, 2026) عندما تطرق لمستقبل القرن الإفريقي بعد عقد من الآن، وأشار إلى أن مستقبل الإقليم يكمن في تبني حلول إفريقية للقضايا الإفريقية، وجاء ذكر المجلس كضمانة رئيسة وهامة لحفظ استقلال دول البحر الأحمر وسيادتها، ولا سيما في حالة الصومال.
وأشار إلى أن المجلس “يحقق التكامل بين دول البحر الأحمر عبر بنية أساسية ومصلحة اقتصادية مشتركة”، وهي الرؤية المصرية التي تم تطويرها منذ إطلاق المجلس رسميًا (يناير 2020)، وكانت تفتقر لزخم اقتصادي كبير، يرجح أن تبادر به السعودية في المرحلة المقبلة من أجل ضمان استقرار أكبر في حوض البحر الأحمر، واحتواء التهديدات .
وهكذا، فإن مقاربة القاهرة لمواجهة تهديدات أمنها القومي المباشر في جنوبي البحر الأحمر، وعلى الجبهة اليمنية في السياق الحالي، تقوم على تغليب الجهود الدبلوماسية؛ لمنع تمدد الحرب في الخليج العربي إلى مضيق باب المندب، وتكثيف الجهود مع السعودية لاحتواء تناقضات الحالة اليمنية وتهديداتها، أملًا في توفير الجهد والموارد لمواجهة التهديدات الأكثر حدة في القرن الإفريقي، ولا سيما في إقليم أرض الصومال.






