في حفل عشاء اعتاد البيت الأبيض تنظيمه لمراسلي الصحف المعتمدين به، أُطلق الرصاص خارج قاعة الاحتفال، التي تضم الرئيس “دونالد ترامب” وضيوفه.

دبت الفوضى في المكان وثارت تساؤلات وشكوك في العالم بأسره، عما إذا كانت محاولة الاغتيال حقيقية أم مصطنعة لرفع شعبية الرئيس، التي انخفضت بفداحة، حسب استطلاعات الرأي العام على خلفية تورطه في الحرب على إيران وتداعيات أزمة النفط على حركة الأسواق والأسعار.

كانت هذه المرة الأولى التي يشارك فيها “ترامب” بصفته الرئاسية في مثل هذه الفعاليات، التي شهدت منصتها سخرية واستهزاء من الرئيس الأسبق “باراك أوباما” بأفكاره وتهويماته وسط تصفيق وضحكات الحضور.

أراد الآن أن يصالح الصحافة ويردم الفجوات الواسعة معها، لكن الطبع يغلب التطبع.

لمرتين سابقتين، أُطلق الرصاص عليه، حقيقيا، أو افتراضيا.

الأولى أثناء حملته الانتخابية في يوليو (2024)، عندما مرقت رصاصة بجوار أذنه دون أن تصيبه بأذى يذكر.. والثانية عندما حاول متسلل، أن يصل إليه في ملعب جولف ملحق ببيته في فلوريدا.

بعض القرائن تزكي نظريات المؤامرة، لكنها غير كافية، أو مقنعة بذاتها.

الأقرب إلى الحقيقة أن “ترامب” نفسه هو المحرض الأول على محاولات الاغتيال، التي يتعرض لها من وقت لآخر.

إذا افترضنا أنه تعرض فعلا للاغتيال، فإن رؤساء العالم جميعهم تقريبا، سوف يرددون نفس العبارات، التي أدانوا بها محاولة حفل العشاء.

الموقف صحيح تماما في إدانة العنف السياسي، لكن أغلبيتهم الساحقة سوف تتنفس الصعداء بالوقت نفسه.

هذا هو المسكوت عنه في ردات الفعل السياسية باتساع العالم على محاولة اغتيال افتراضية.

الحقيقة بكل وضوح وبساطة: إن هذا الرئيس بات عبئا، لا يطاق على السلم العالمي وعلى مستقبل الإمبراطورية الأمريكية نفسها.

عندما اغتيل الرئيس الأسبق “جون كينيدي” فبراير (1963)، بدا العالم مصدوما مما حدث، متسائلا: كيف تسنى لدولة عظمى أن تخفق بفداحة في إعلام الرأي العام عمن وقف وراء ذلك الاغتيال؟!

ترددت فرضية قوية إثر صعود نائبه “ليندون جونسون” إلى مقعد الرجل الأول، أن الدولة العميقة هي من رتبت ذلك السيناريو الكابوسي، وأنها قد أخفت معالم الجريمة والمتورطين الحقيقيين فيها لعقود طويلة.

عندما جرت محاولة اغتيال رئيس آخر “رونالد ريجان” مارس (1981)، في نفس الفندق “هيلتون واشنطن”، الذي جرت به محاولة اغتيال “ترامب”، لم يشكك أحد في الأولى، فقد جرى إطلاق النار أمام الكاميرات، فيما بدت الأخيرة افتراضية، حيث جرى إطلاق الرصاص خارج قاعة العشاء، التي ضمت الرئيس وزوجته وأركان إدارته.

المستلفت- هنا- أن مطلق الرصاص “كول توماس آلن”، وهو شاب في مطلع الثلاثينيات من عمره، كان نزيلا في الفندق ومعه بندقية صيد ومسدس وسكاكين.

هل كان التقصير الأمني مقصودا؟!

بدا مستلفتا أيضا، إجلاء نائب الرئيس أولا على عكس ما يقتضيه البروتوكول الأمني.

 لماذا؟! وبأية حسابات؟!

إذا كان ممكنا تصور دور ما لما يطلق عليها الدولة العميقة لإعادة استنساخ تجربة اغتيال “كينيدي”، فإن هذه الفرضية تتبدد تماما أمام عشوائية المشهد المستجد.

العشوائية المفرطة تنفي أي تخطيط مسبق.

الحقيقة أبسط وأوضح من جميع فرضيات نظريات المؤامرة وشواهدها المفترضة.

“أعتقد أنني كنت المستهدف”.

كان ذلك تعبيرا لافتا، أطلقه “ترامب” عقب إجلائه من قاعة العشاء.

المعنى أنه هو نفسه لم يكن واثقا، أن ما حدث محاولة اغتيال فعلية.

كعادته في إطلاق التصريحات الفورية، قبل أن يستوعب الحدث أطلق إهانات حادة لمقدمة برنامج (60 دقيقة) المذيعة “نورا أدونيل” على محطة (CBS News)، بعد أن قرأت مقطعا من بيان منسوب لمطلق النار، يتهم فيه “ترامب” دون أن يذكره اسما بـ”المغتصب” و”المتحرش بالأطفال”.

سألته: هل أنت المقصود؟

أفلت عياره: “أنتم فظيعون.. أنا لست مغتصبا، ولم أعتد على أحد”.

الحقيقة، أن علاقاته القديمة والوثيقة مع رجل الأعمال وعميل الموساد “جيفري إبستين” تثير تساؤلات وشكوك لا مهرب منها.

السؤال مشروع تماما، لكنه أفسد بتفلتات لسانه، هدفه الرئيسي من تنظيم فاعلية العشاء لمراسلي البيت الأبيض.

أعلن براءته دون تحقيق مدعيا أنها ثابتة!

قبل أن تشرع جهات التحقيق في عملها، استبعد أي صلة بين الحادث وإيران، لكنه في نفس الوقت قال حرفيا: “لن يثنيني الحادث عن طلب الفوز في الحرب”.

أي فوز؟ وأي حرب؟

الحرب على إيران بالتلويح بنسف حضارتها في يوم واحد وإعادتها إلى العصر الحجري.. أم الحرب على لبنان باسم ادعاءات السلام، التي قد تفجر البلد كله.

لم يكن أحد مستعدا، أن يصدق رئيسا، لا يكف عن الكذب والادعاء وقول الشيء وعكسه بنفس الوقت.

في تلك الأثناء تلقت إدارته مقترحا إيرانيا لإنهاء الحرب، يقضي بفتح مضيق هرمز مقابل رفع الحصار عن المواني الإيرانية وتأجيل التفاوض بشأن البرنامج النووي إلى مرحلة لاحقة.

المقترح بنصه ومضمونه تعبير عن هزيمة استراتيجية، لحقت بالقوة العظمى الأولى، التي استحالت مكانتها الدولية إلى مادة استهزاء في أنحاء العالم كله.

كان طلبه وضع صورته على الدولار الأمريكي جموحا في الشخصنة، وتجاوزا لأية قيمة جمهورية، ودليل إضافي على ما أصابه من جنون عظمة وخلل عقلي.

وقد كان الصدام الترامبي مع بابا الفاتيكان “لاون الرابع عشر”، تفلتا سياسيا وأخلاقيا وداعيا إلى اعتبار الرئيس الأمريكي فاقدا للحد الأدنى من الاتزان، أو الإدراك لما يقوله، أو يفعله.

بات يوصف على نطاق دولي واسع بـ”الرجل المجنون”.

لم يتردد بابا الفاتيكان في وصف إدارته دون ذكرها مباشرة، بأنها “مجموعة لصوص يحرمون العالم من مستقبل سلمي”.

قاصدا دون شك الرئيس الأمريكي، الذي أفلت عياره بوصف البابا: “أنه سيئ للغاية”.. “أريد بابا يعتقد أنه من غير المقبول، أن تمتلك إيران سلاما نوويا”.

كان ذلك تفلتا سياسيا ولفظيا بحق بابا الفاتيكان، ثم ذهب إلى أكثر من ذلك مصورا نفسه بالذكاء الاصطناعي في رداء السيد المسيح نفسه، يُبرئ المرضى وينير الطريق!!

هكذا تدفع- الآن- الولايات المتحدة أثمانا باهظة من سمعتها ومستقبلها باختيار رجل بمواصفات “ترامب” رئيسا لها، يتصور نفسه نصف إله يأمر فيطاع.

لا يكف عن التهديد بأبشع جرائم الحرب والادعاء بالوقت نفسه، بأنه رجل سلام، أو مسيح جديد؟!

لعل الفرصة الأخيرة أمام القوة الأمريكية حتى لا تدخل في فوضى عارمة، أن تغير معادلات التوازن الداخلي في الانتخابات النصفية لمجلسي الكونجرس نوفمبر المقبل.

الحقيقة المسكوت عنها، رغم وضوحها وبساطتها، إنه يوتر المجتمع الأمريكي، ويستدعي إلى المشهد المحتقن محاولات الاغتيال واحدة إثر أخرى.