“انتصرنا في الحرب، طائراتنا تحلق فوق طهران ومناطق أخرى من إيران”.

هكذا أعلن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” انتصاره، دون أن يحقق أيا من أهدافه المعلنة في خوض حرب “غير قانونية” و”غير مبررة”، كما دأب على وصفها الإعلام الغربي في أغلبيته الكاسحة.

في الجملة التالية من تصريحاته، التي يصعب تتبعها من كثرتها اللافتة، قال: “أعتقد أننا سنتوصل إلى اتفاق، لكنني لا أستطيع أن أؤكده بشكل قاطع”.

بالتفات إلى هدفه الأصلي، الذي أخفق تماما، أعلن ما لا يمكن أن يصدقه أحد: “نشهد حاليا تغييرا في النظام الإيراني“، قاصدا اغتيال المرشد الأعلى “علي خامنئي” وقيادات الصفين الأول والثاني.

هو رجل لا يعرف شيئا عن إيران، تاريخها وجغرافيتها وثقافتها، كأنها طلاسم أمامه، حتى لا يكاد يعرف لماذا حافظ النظام على بقائه رغم الاغتيالات، التي ضربت أبرز قياداته؟

لماذا صمدت إيران وتمكن نظامها من إعادة تجديد نفسه تحت نيران الحرب؟

الخطاب الترامبي يستحق فعلا التوقف أمام بنيته، فهو مضطرب ولا تتسق عباراته مع بعضها الآخر، يقول الشيء وعكسه في اللحظة ذاتها، ويقفز إلى استنتاجات لا أساس لها!.. كأن يقول: “إيران وافقت على عدم امتلاك سلاح نووي”، كأنه موقف، استجد بأثر ضرباته الجوية المكثفة على بنيتها التحتية العسكرية والمدنية بالشراكة الكاملة مع إسرائيل!

إننا أمام رجل مأزوم ومتورط في حرب بلا أفق واضح، أو هدف محدد، يبحث عن مخرج سياسي ودبلوماسي وإعلامي يقول فيه إنه قد انتصر وصنع ما عجز عنه أي رئيس أمريكي سابق!

هل الحرب توشك أن تنتهي فعلا بالتفاوض؟

وما مدى جديته في المضي قدما بالخيار التفاوضي، الذي انقلب عليه مرتين؟

هل هناك ما يمنع من أن ينقلب عليه لمرة ثالثة؟

الاحتمالات كلها مفتوحة، ففي نفس اللحظة، التي كان يتحدث فيها عن تفاهمات جرت في الكواليس مع قادة إيرانيين عبر وسطاء؛ للتوصل إلى اتفاق، كانت هناك قوات إضافية من المارينز، ترسل إلى الشرق الأوسط.

بحقائق اللحظة الراهنة، فإن أطراف الحرب المباشرة وغير المباشرة مأزومة ومستنزفة، وتبحث عن مخارج سياسية، دون أن تقدم أية تنازلات بقدر ما هو ممكن.

السؤال الرئيسي هنا: من يصمد أكثر؟.. أو من يصرخ أولا؟!

بحقائق السلاح، فإن الولايات المتحدة وشريكتها إسرائيل بموضع قوة وتفوق، غير أن الصورة العامة تعطي الطرف الإيراني تفوقا سياسيا وجغرافيا وقدرة على إيلام الأطراف الأخرى، بقدر ما يملكه من صواريخ باليستية شديدة الانفجار، وما يحوزه من أوراق ضغط اقتصادية على الأعصاب والمواقف.

في المشهد العسكري تتداخل أزمتان كبيرتان إحداهما سياسية، والأخرى اقتصادية.

فيما هو سياسي- أولا- هناك ارتفاع لافت في منسوب الضجر والاعتراض داخل المجتمع الأمريكي على الحرب وطبيعتها وأهدافها، ودواعي التورط فيها دون مصلحة أمريكية.

حسب أحدث استطلاعات الرأي العام، فإن أغلبية الأمريكيين يناهضون الحرب، وأكثر من (90%) يطالبون بإيقافها فورا.

المعنى السياسي المباشر، أن استمرار الحرب يفضي بالضرورة إلى هزيمة ساحقة للحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية المقبلة لمجلسي الكونجرس نوفمبر المقبل.

امتدت الانتقادات السياسية والإعلامية للحرب وطريقة إدارتها إلى الحلقات الضيقة من مؤيديه داخل حركة “ماجا”، “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”، التي استشعرت أنها قد خُدِعَت، فيما أعلنه من برامج انتخابية عن رفضه لأي انخراط في حروب خارجية، فإذا به يفتح جبهات النار في أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط.

تضررت هيبة الولايات المتحدة بقسوة بالغة داخل حلفائها التقليديين، الذين لم يستشرهم في الحرب ودواعيها، منفردا مع حليفه “بنيامين نتنياهو” بكل تفاصيلها وخططها.

أفرط في إهانة حلف “الناتو” وشركائه الأوروبيين باتهامات العجز عن حماية أمنهم والجبن، ملوحا باحتلال جزيرة “جرينلاند” الدنماركية بالقوة المسلحة دون أن يأبه لغضبهم.

بدا الموقف الأوروبي متراوحا بين دعم سياسي لإطاحة النظام الإيراني، دون استعداد للتورط في الحرب عليه.

بدا مركز القرار في أكبر قوة عسكرية وسياسية بالعالم متهافتا، بصورة لا تصدق وعاجزا تماما عن بناء أية تحالفات اعتادت عليها في حروبها الخارجية كحربي العراق وأفغانستان.

برقابة عسكرية مشددة أمريكية وإسرائيلية معا، لم تُعلَن الأرقام الحقيقية للمصابين والقتلى ولا حجم الأضرار، التي لحقت بالقواعد العسكرية وحاملات الطائرات في الحرب على إيران.

لا يُعقل أن تعلن إسرائيل في بياناتها الرسمية عن أعداد كبيرة من المصابين، دون أن يرد أي ذكر لأعداد القتلى، كأن الصواريخ الإيرانية مصممة بحيث يقتصر فعلها على الإصابات فقط!

وفيما هو اقتصادي- ثانيا- لخصت أزمة شبه إغلاق مضيق هرمز، أمام حركة ناقلات النفط، هشاشة رهاناته على تكرار السيناريو الفنزويلي، أو أن تفضي حملة عسكرية سريعة، تغتال رأس النظام إلى السيطرة على موارد النفط، فضلا عن تمكين إسرائيل من مقادير الشرق الأوسط، بما يمهد لإعلان شرق أوسط جديد.

لتخفيف وطأة أزمة النفط، التي باتت عنوانا رئيسيا للحرب وتداعياتها، كان مثيرا للالتفات والسخرية لجوء “ترامب” إلى إجراءات، خفف بمقتضاها من حدة الحصار المفروض على النفطين الروسي والإيراني لسد بعض العجز في السوق العالمي.

بالنسبة لرجل صفقات مثل “ترامب”، فإن ما يعنيه أولا وقبل كل شيء مؤشرات البورصة وحركة الأسواق.

الارتفاع القياسي في أسعار النفط يؤدي تلقائيا إلى ارتفاعات قياسية أخرى لأسعار السلع والبضائع، بما يضغط على مستويات معيشة المواطنين وشعبيته، ويثير نقمتهم على سياساته.

أضافت ورقة النفط قوة هائلة للاعب الإيراني، عقد اتفاقات وتفاهمات مع دول عديدة مثل الهند، لمرور شحناتها من النفط عبر مضيق هرمز دون عوائق، وبدأ يفكر في فرض رسوم مرور، أو بمعنى آخر فرض سيادته الكاملة على مضيق دولي.

لم يكن لدى رجل يستهتر بأية قوانين دولية أدنى اعتراض، شرط أن يتقاسم معهم الرسوم المنتظرة.

إنه منطق قرصان لا رئيس دولة عظمى.

بنفس المنطق تردد، والكلام يصعب تصديقه، لكنه يتسق مع شخصيته، إنه مستعد أن يقايض دول الخليج على استمرار الحرب مقابل دفع (5) تريليونات دولار، أو وقفها مقابل (2.5) تريليون!

لا يمكن التعويل على رهان واحد، لما قد يحدث في المفاوضات المزمعة.

التورط في احتلال، أو حصار جزيرة “خارك” الإيرانية ذات القيمة الاستراتيجية والنفطية، لا يمكن استبعاده، لكنه قد يجد نفسه وحيدا بلا حلفاء في قتال على الأرض، يكلفه عودة مئات المارينز في توابيت.

هل تنجح المفاوضات، التي تشارك مصر وتركيا وباكستان في وساطتها، بالتوصل إلى تسوية مرضية.. أم تفلت المواجهات إلى ما يشبه مقدمات حرب عالمية ثالثة.

“ترامب” يخشى المآلات، التي تقوض مكانته، وربما تُخضِعه إلى العزل، إذا ما خسر الجمهوريون الانتخابات النصفية المقبلة، فيما تسعى إسرائيل إلى تفجير المنطقة بقدر ما تستطيع.

هذه هي الحقيقة الرئيسية في الحرب على إيران.