أصدرت الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني تقريرًا حقوقيًا بعنوان: “غزة تحت حصار الأوبئة”، يحذر من تدهور حاد في الأوضاع البيئية والصحية في قطاع غزة، وتحولها إلى بيئة عالية الخطورة الوبائية ذات مخاطر مركبة، تهدد حياة السكان.

غزة تحت الحصار والأوبئة
غزة تحت الحصار والأوبئة

ويشير التقرير، إلى أن القطاع الذي شهد حربًا مدمرة خلال العامين الماضيين، خلّفت عشرات الآلاف من القتلى والجرحى، يواجه اليوم تداعيات كارثية متفاقمة بفعل استمرار الحصار، وتدمير البنية التحتية، وتعطيل إدخال الأدوية ومستلزمات الصحة العامة ومكافحة الأوبئة.

وفي ظل ما يصفه التقرير بـ”الانهيار البيئي الشامل”، تتشكل ظروف مواتية تماما لانتشار الأمراض والأوبئة، خصوصًا مع وجود مئات آلاف النازحين داخل مخيمات وخيام ومراكز إيواء، في بيئة تفتقر لأبسط مقومات الصحة العامة.

ويقدَّر عدد سكان قطاع غزة بنحو 2.2 مليون نسمة، يعيش معظمهم في حالة نزوح داخلي؛ نتيجة التدمير الواسع للبنية السكنية والتحتية، فيما تشير تقديرات أممية، إلى أن أكثر من 80– 90% من السكان، قد تعرضوا للنزوح خلال الحرب.

واعتمد التقرير على مصادر متعددة، شملت مقابلات ميدانية مع نازحين داخل المخيمات، وشهادات لنساء وأطفال، إضافة إلى إفادات أطباء وخبراء في الصحة العامة ومكافحة الآفات، إلى جانب بيانات بلدية حول إدارة النفايات والركام، وتقارير إعلامية وحقوقية تتناول الأوضاع البيئية والصحية في القطاع.

بيئة وبائية نشأت من الركام والحصار

يوثق التقرير تحوّل المشهد البيئي في غزة إلى حالة غير مسبوقة من المخاطر، نتيجة تراكم ما يقارب 70 مليون طن من الركام الناتج عن الدمار الواسع، والذي أعاد تشكيل البيئة العمرانية، بشكل يسمح بتكاثر القوارض والآفات على نطاق واسع.

ويشير إلى أن هذا الركام أصبح بيئة مغلقة، تتخللها فجوات وممرات وجحور، توفر ملاذًا آمنًا للجرذان والفئران، بعيدًا عن وسائل المكافحة الطبيعية.

كما يلفت التقرير إلى أن تدمير شبكات الصرف الصحي، واختلاط المياه العادمة بالنفايات والمواد الغذائية التالفة، خلق بيئة بيولوجية نشطة؛ ساهمت في تسريع انتشار القوارض وتحولها إلى تهديد مباشر داخل مناطق النزوح، ويزداد الأمر صعوبة مع منع إدخال المبيدات ومعدات المكافحة المتخصصة، ما فاقم من حجم الأزمة، خاصة مع افتقاد البلديات القدرة على التدخل والمواجهة.

وبذلك تعكس المعطيات الميدانية تحول قطاع غزة، إلى ما يُعرف في أدبيات الصحة العامة بـ”بيئة عالية المخاطر الوبائية”، حيث تتقاطع عدة عوامل: انهيار أنظمة المياه والصرف الصحي، والاكتظاظ السكاني الحاد، وغياب خدمات إدارة النفايات، وانتشار النواقل المرضية، وهي شروط تعتبرها الصحة العالمية ضمن العوامل الأساسية لتفشي الأوبئة في مناطق النزاع.

هذا بجانب انهيار النظام الصحي، فوفق بيانات أممية أكثر من 60 بالمائة من المنشآت الصحية في غزة خرجت من الخدمة، في ظل نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية. كما يحذر خبراء الصحة من ارتفاع معدلات الأمراض المعدية المرتبطة بتلوث المياه والاكتظاظ.

اختلال بيئي

يرصد التقرير ما وصفه بالانهيار الكامل للتوازن البيئي”، نتيجة غياب المفترسات الطبيعية وتدمير السلسلة الغذائية، ما أدى إلى سيطرة شبه كاملة للقوارض على البيئة الحضرية المدمرة.

وبحسب التقرير، فإن القوارض لم تعد محصورة في المناطق المنهارة، بل انتقلت إلى المخيمات ومراكز الإيواء، لتصبح جزءًا من مشهد الحياة اليومية للنازحين.

بحيث تتحول المخيمات إلى نقاط تماس مباشر بين الإنسان والآفات، بما يرفع احتمالات تفشي الأمراض بشكل غير مسبوق.

يتقاطع التقرير مع تحذيرات سابقة صادرة عن منظمة الصحة العالمية، التي أكدت أن تدمير البنية التحتية للمياه والصرف الصحي في مناطق النزاع؛ يؤدي إلى ارتفاع خطر تفشي الأمراض المنقولة عبر المياه.

وضمن مقابلات ميدانية، ينقل التقرير على لسان خبير الصحة العامة ومكافحة القوارض الدكتور سعود الشوا، أن الركام في غزة تحول إلى “بيئة لتكاثر القوارض”، وظروف بيئية عالية الخطورة تُعزز تكاثر النواقل المرضية.

وقد حذر من أن أي عمليات إزالة غير مدروسة؛ قد تؤدي إلى موجات هروب جماعي نحو التجمعات السكنية.

أمراض وبائية محتملة في بيئة منهارة

يحذر التقرير، من أن الظروف الحالية تمثل بيئة خصبة لانتقال أمراض خطيرة، خاصة مع التماس المباشر بين السكان والقوارض داخل المخيمات، وضعف النظام الصحي، ويشير الى أن بين الأمراض التي ظهرت داء اللِّبتوسبيرا (حمى الفئران) والسالمونيلا والطفيليات المعوية، إضافة إلى حمى عض الجرذ والطاعون والتيفوس عبر البراغيث والقراد.

وفى السياق، يقول الطبيب محمد ماجد هدّيب، إن القوارض تمثل “الخزان البيولوجي الأساسي للأمراض المعدية”، مشيرًا إلى أن انتقال العدوى لم يعد يحتاج إلى تماس مباشر فقط، بل قد يحدث عبر المياه والغذاء الملوثين.

انهيار الأمن الغذائي وتلوث المساعدات

يسلط التقرير الضوء على تداعيات الأزمة على الأمن الغذائي، حيث تتعرض المساعدات الإنسانية للتلف داخل الخيام؛ نتيجة غياب التخزين الآمن، ما يؤدي إلى تلوثها بفضلات القوارض أو إتلافها بالكامل.

وتقول إحدى النازحات في مخيمات غزة:

“نعيش في سباق مع الفئران… إما أن نأكل بسرعة، أو نفقد طعامنا، حتى ما تبقى لنا من حياة لم يسلم.”

إضافة إلى ذلك، تتلف القوارض الملابس والأغطية، وتعوق أي محاولات للزراعة المنزلية، ما يفاقم أزمة الجوع وانعدام الأمن الغذائي.

تداعيات نفسية عميقة داخل المخيمات

يوثق التقرير حالة من القلق النفسي الجماعي داخل مراكز النزوح، خاصة بين الأطفال الذين يعانون من اضطرابات نوم وفوبيا “الخوف الشديد”؛ نتيجة أصوات القوارض أو اقترابها أثناء الليل.

وتشير إحدى شهادات النازحات:

“لم نعد نخاف من القصف فقط… بل من الليل نفسه، ومما يتحرك داخل خيامنا.”

كما يعاني الأهالي، خصوصًا الأمهات، من ضغوط نفسية شديدة وإحساس بالعجز المستمر، ما أدى إلى ارتفاع حالات القلق والاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة.

أما في النهار، فالقوارض تتحرك أيضا، ولم يعد نشاطها ليلًا فقط، بل أصبحت تظهر في وضح النهار، في مؤشر على اختلال بيئي حاد.

وضمن ذلك، يتضمن التقرير إفادات حول تسجيل حالات عضّ متزايدة بين الأطفال، وصعوبة التعامل معها في ظل نقص حاد في الأدوية والمضادات الحيوية وانهيار النظام الصحي.

وسبق وحذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” في تقارير عدة، أن الأطفال في غزة يواجهون مخاطر صحية متزايدة؛ نتيجة التلوث البيئي وسوء التغذية.

ويتجاوز وضع غزة في أبعاده وحجم المصاعب حالات صراع ومناطق شهدت حروبا وتدهورت أوضاع السكان فيها كما اليمن والسودان، لأنه مع صعوبة الأوضاع في البلدين؛ فإن غزة تعيش تحت الحصار، ويمنع عنها دخول الضروري من مستلزمات طبية وصحية ووسائل مكافحة للتلوث.

وتستمر أزمة القطاع في ظل حصار مستمر؛ يقيّد بشكل حاد إدخال المواد الأساسية، بما في ذلك مستلزمات الصحة العامة ومكافحة التلوث، وهو ما يفاقم من حدة الأزمة ويحد من إمكانيات الاستجابة.

مسئولية قانونية دولية

يخلص التقرير إلى أن ما يجري في غزة يمثل انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك الحق في الصحة والحق في الحياة الكريمة، والحظر المطلق للعقاب الجماعي، ويعتبر في هذا السياق: أن منع إدخال أدوات المكافحة الصحية والبيئية، وترك السكان في بيئة موبوءة، قد يرقى إلى مستوى الجرائم الدولية، خاصة في ظل التسبب في ظروف تهدد البقاء الإنساني.

خلاصة التقرير

يخلص التقرير، إلى أن غزة تواجه “كارثة بيئية وصحية مركبة” تتجاوز آثار الحرب التقليدية، لتتحول إلى تهديد وجودي مباشر لحياة السكان.

ويؤكد أن مواجهة هذه الأزمة تتطلب تدخلًا دوليًا عاجلًا، يشمل رفع القيود المفروضة على إدخال أدوات المكافحة والمستلزمات الطبية، وتفعيل آليات الاستجابة البيئية والصحية، إلى جانب فتح مسار للمساءلة القانونية حول السياسات، التي أدت إلى هذا الانهيار.

ويختتم التقرير بالتأكيد، على أن استمرار الوضع الحالي يعني تحويل البيئة نفسها إلى أداة من أدوات الموت البطيء، في ظل غياب أي أفق حقيقي لوقف التدهور.