بجانب أن الحرب على إيران وتداعياتها في المنطقة، وما شهدته من هجمات، طالت دول الخليج، فإنها بالوقت ذاته كشفت عن حدود فاعلية المظلة الأمنية التي تقودها الولايات المتحدة، وأظهرت بوضوح حالة من الارتباك داخل دول الخليج.

هذا الارتباك لم تتوقف مظاهره عند حدود الأداء العسكري أو الأمني وإخفاق في صد الهجمات التي طالت الخليج، بل امتدت سريعًا إلى المجالين السياسي والإعلامي.

 في هذا السياق، يمكن ملاحظة تصاعد خطابات غاضبة ومتباينة، لكنها التقت في جوهرها عند نقطة واحدة: توجيه اللوم إلى مصر، والمطالبة بحضورها كطرف، يقدم العون والمساندة في مواجهة هجمات إيرانية، طالت دول الخليج دون استثناء.

وضمن ذلك، ذهب خطاب آخر إلى تحميل مصر مسئولية، ما اعتُبر غيابًا لدور فعّال، رغم ما أعلنته القاهرة رسميًا، وعلى مستويات متعددة من مواقف داعمة، تمثلت في رفض الهجمات على دول الخليج، ورفض الانزلاق إلى تصعيد أوسع أو حرب شاملة مع إيران، وبعض الأصوات الخليجية رأت في تصريحات مصر، موقفًا غير كافٍ قياسًا بحجم التهديد.

لكن اللافت في كلا الاتجاهين، أن الخطاب الصادر عن نخب خليجية وأخرى مصرية تعمل في مؤسسات إعلامية، لم يحدد بشكل واضح طبيعة الحضور المطلوب من القاهرة.

ولم يطرح بشكل واضح شكل المساندة المنتظرة، كما لم يفسر أسباب التصعيد الخطابي الذي اتخذ في بعض الأحيان طابعًا حادًا، وتضمن إشارات إلى الدعم الاقتصادي والاستثمارات الخليجية في مصر، في محاولة للربط بين التعاون الاقتصادي والمواقف السياسية في لحظة أزمة، وكأن القاهرة تخلت عن أشقائها، بينما لم يطلبوا أصلا العون واكتفوا باللوم.

ومن حيث مضمون هذه الخطابات، التي جاءت في تصريحات أو مقالات سيارة، فقد تراوحت بين المطالبة بدور عسكري مباشر والتشكيك في إمكانية حدوثه.

وفى كل الأحوال، لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد جدل إعلامي عابر، بل تعكس ارتباكًا أعمق داخل بنية الأمن الخليجي نفسها، وهو ارتباك يظهر في طبيعة الخطابات الصادرة عن شخصيات قريبة من دوائر صنع القرار في عواصم خليجية.

ويظل العنصر المشترك في هذا الخطاب هو التركيز على اللوم، مع اختلاف اتجاهاته، وتجنب الإجابة عن السؤال الأكثر جوهرية: ما طبيعة الدور المطلوب من مصر؟ هل هو ردع إقليمي؟ أم غطاء مكمل لمنظومة الأمن الأمريكي التي لم تعد كافية، رغم ما استنزفته من موارد هائلة لدول الخليج.

ومن هنا يبرز سؤال: إذا كان الخليج قد أنفق مئات المليارات على هذه المنظومة، فلماذا يُطرح اليوم، وفي ذروة الأزمة، خيار الاستعانة بطرف خارجها، وإذ كان يرفض العون، فلماذا يصدر خطاب اللوم، وهو ما يحتاج إلى تفكيك بنية هذا الخطاب وأغراضه ارتباطا بعمق أزمة الخليج ومنظومته الأمنية.

بنية النموذج الأمني وحدوده

يتشكل النموذج الأمني الخليجي القائم الآن على معادلة واضحة، تقوم على إنفاق دفاعي مرتفع، ومظلة أمريكية ضامنة، وشبكة قواعد وتحالفات، يُفترض أنها كافية لردع أي تهديد.

وقد وفرت هذه المعادلة قدرًا من الاستقرار النسبي لفترة طويلة، لكنها لم تُختبر بشكل حقيقي إلا خلال الحرب الأخيرة، حيث ظهر أن الخلل لا يكمن في حجم القوة، بل في طبيعة هذه المظلة نفسها.

فهذا النموذج يتضمن سلاحًا عالي الكفاءة، لكن قرار استخدامه ليس مستقلًا، كما يوفر حماية ضمن منظومة أمريكية، لكن توقيت تشغيلها ليس مضمونًا، فضلًا عن تحالفات ممتدة، تتحرك في الأساس وفق مصالح وأهداف واشنطن.

وهنا تتكشف الفجوة بين الإنفاق على المظلة وتمويلها، وبين قدرتها على تحقيق ردع فعلي على الأرض، في ظل تعرض منشآت النفط للتهديد، واحتمالات تعطّل مضيق هرمز، بما ينعكس مباشرة على الاقتصاد.

وبذلك تصبح هذه المظلة مزيجًا معقدًا من الاعتماد والتنسيق والانتظار. كما أن امتلاك السلاح لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة الكاملة على استخدامه بكفاءة، نظرًا لاعتماد بعض هذه المنظومات على دعم تقني وتشغيلي خارجي مستمر، وهو ما يجعل مستوى الاستقلال العسكري أقل، مما يعكسه الخطاب السائد، سواء ذلك الذي يقلل من الحاجة إلى مصر، أو الذي يشكك في قدرتها على تقديم دعم فعلي في ظل أزماتها الاقتصادية.

من مساءلة النموذج إلى سؤال “أين مصر؟”

ورغم ذلك، فإن التهديد الذي واجهته دول الخليج خلال الحرب، كان واضحًا، كما أن المظلة الأمريكية بدت أقرب إلى أداة ردع منها إلى أداة قادرة على إدارة مواجهة شاملة. فحتى مع حماية بعض المنشآت الحيوية، لم يمنع ذلك اضطراب الأسواق، ولا الانزلاق نحو مخاطر اقتصادية، وهو ما يكشف أن النموذج الذي صُمم للتعامل مع الخطر لم يكن كافيًا في اختبار الحرب.

في خضم هذا المشهد، يبرز الانتقال في الخطاب من مساءلة النموذج إلى طرح سؤال “أين مصر؟” باعتباره ليس مجرد تحول عابر، بل آلية تفسير قائمة بذاتها.

تظهر مصر هنا كخيار مفهوم في الحسابات الإقليمية، باعتبارها قوة تقليدية، تمتلك خبرة، ولا يثير حضورها حساسية في التوازنات الأمريكية، كما يمكن استدعاؤها سياسيًا، كما حدث في حرب الخليج الأولى.

غير أن هذا الاستدعاء يحمل تناقضًا واضحًا، إذ إن الخليج الذي بنى نموذجه الأمني خارج الإطار العربي، عاد خلال الحرب لطرح مصر كعنصر مكمل، يُستدعى عند الحاجة، دون أن يكون طرفًا في صياغة قواعد هذا النظام.

وفي الوقت ذاته، فإن توجيه الضغط واللوم نحو مصر يعكس منطقًا سياسيًا في لحظة حرجة، حيث يصبح من الأسهل توجيه النقد إلى طرف عربي أقل كلفة في الخطاب وأكثر قابلية للتداول إعلاميًا، وهو ما يسمح بإعادة توزيع المسئولية، بدلًا من مواجهتها.

التصعيد الإعلامي كإشارة مبكرة

وفي هذا الإطار، لم يكن ما حدث مجرد نقاش إعلامي عابر، بل جاء في صورة موجة تصعيد لافتة في حدتها وتوقيتها، ترافقت مع ارتفاع نبرة المطالبة بدور مصري تحت عناوين مثل “رد الجميل”.

وتُفسَّر مثل هذه الظواهر، في القراءات الغربية، باعتبارها “إشارة مبكرة” على وجود ارتباك داخل المنظومة، أكثر من كونها تعبيرًا عن نقاش سياسي طبيعي.

وتذهب تحليلات، إلى أن تصاعد السجال الإعلامي في الخليج بعد الحرب يعكس فجوة بين التوقعات والنتائج، ومحاولة لإعادة ضبط السرد العام، بينما تشير قراءات أخرى، إلى أن إدارة مرحلة ما بعد الحرب لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تشمل أيضًا إعادة توظيف الخطاب الإعلامي لامتصاص القلق، وتحويله من مساءلة كفاءة الأداء إلى الانشغال بأسئلة بديلة، تتعلق بأدوار الأطراف الأخرى.

واللافت في هذه القراءات، أنها لا تركز على محتوى الخطاب بقدر ما تهتم باتجاهه، حيث يتحول السؤال من “ماذا قيل؟” إلى “لماذا يُقال الآن؟”، وكيف انتقل النقاش من مساءلة المظلة الأمنية الأمريكية والغربية إلى مساءلة طرف عربي خارج هذه المنظومة.

وهو ما يمكن قراءته، باعتباره تحويلًا في بؤرة الانتباه من الخارج إلى الداخل الإقليمي، ومن بنية النظام الأمني إلى الأطراف المحيطة به.

بهذا المعنى، لا يقود الإعلام الأزمة بقدر ما يسهم في تشتيتها، حيث ترتبط زيادة حدة الخطاب بالابتعاد عن مواجهة الأسئلة الأساسية، وطرح بدائل أكثر سهولة في التداول، خاصة عندما تصبح الإجابة عن الأسئلة الحقيقية أكثر تعقيدًا.

 ومن هنا، لا يبدو السؤال الحقيقي متعلقًا بمدى تقديم مصر للدعم، بقدر ما يرتبط بقدرة الخليج ذاته على إدارة أمنه، رغم ما يمتلكه من موارد وإمكانات.

تباين داخلي: هل الخليج صوت واحد؟

وفي هذا السياق، فإن الخطاب الذي بدا وكأنه يعبر عن موقف خليجي موحد، يخفي وراءه واقعًا أكثر تعقيدًا.

فقد أظهرت المرحلة الأخيرة، أن الخليج لا يتحرك كنموذج أمني واحد، بل كمجموعة من المقاربات المتوازية، التي قد تتقاطع أحيانًا وتتناقض في أحيان أخرى. فهناك دول تميل إلى التصعيد والرهان على الردع الصلب، وأخرى تفضل التهدئة وإدارة التوتر، وثالثة تتحرك بمنطق التحوط بين المسارين.

ولا يقتصر هذا التباين على السياسات، بل يمتد إلى تعريف الخطر نفسه، وما إذا كان تهديدًا مباشرًا يجب رده، أم واقعًا، ينبغي التعايش معه وإدارته. وفي ظل هذا التباين، تصبح فكرة طلب “دور مصري” إشكالية، لأنها لا تستند إلى تصور موحد لطبيعة هذا الدور، ولا إلى بيئة إقليمية متفقة على ما تريده تحديدًا.

تكشف هذه الحالة، أن الإشكالية لا تكمن في غياب الدور، بقدر ما ترتبط بغياب تعريف موحد له. كما أن استدعاء مصر لا يحل هذا التناقض، بل يسلط الضوء عليه.

وفي ضوء ذلك، يظل السؤال الأهم الذي تفرضه المرحلة: لماذا يحتاج الخليج، في كل مرة إلى استدعاء أطراف أخرى لضمان أمنه؟ وربما تكمن الإجابة في أن النموذج الأمني القائم لم يُصمم ليعمل بصورة مستقلة، وأن الخليج يهرب من أسئلة تخصه إلى أسئلة محتوها لوم الآخرين.