لم يكن أكثر ما أخاف إسرائيل في الحرب مع إيران، هو الصواريخ المتساقطة على رؤوس الإسرائيليين، بل السؤال الذي عاد ليتسلل إلى قلب الداخل الإسرائيلي من جديد: ماذا حققنا فعلاً على الأرض؟

الإعلام الغربي، نقل صور الاحتجاجات والغضب والانقسام الداخلي تجاه الحرب، لكن الصورة بدت أكثر تعقيداً، مما يظهر على الشاشات. فالشارع الإسرائيلي غضبه ليس قادماً من الحرب في حد ذاتها، بل لأن قطاعاً عريضاً منهم لم يعد مقتنعاً، أن قيادته تعرف كيف تنهيها، أو حتى تعرف كيف تعيد تعريف مفهوم النصر.
هنا تظهر المفارقة الإسرائيلية الجديدة: غضب سياسي واسع، يقابله تمسك أكبر بخيار المواجهة، مع تراجع في الثقة بالحكومة، دون تراجع مماثل في الإيمان بالعقيدة الأمنية للدولة.
في السطور القادمة، محاولة لقراءة الرأي العام الإسرائيلي عبر ما نشرته مراكز بحثية وصحف دولية، في محاولة لتفكيكه بدقة لفهم تأثيرات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران على الداخل الإسرائيلي.
غضب في الشارع.. لكن ليس ضد الحرب
خرجت صورة الاحتجاجات في تل أبيب والانتقادات الحادة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سريعاً إلى الإعلام الغربي، وكأن إسرائيل استعادت فجأة روح أزمتها الداخلية القديمة بمجرد توقف إطلاق النيران مع إيران. وذلك وفق تقرير واشنطن بوست، الذي ركز على مشهد الشارع الغاضب والانقسام السياسي، والأسئلة المتصاعدة حول نتائج الحرب وجدواها، حتى بدا المشهد كما لو أن إسرائيل خرجت من الحرب أكثر ارتباكاً مما دخلتها.
ويتناول التقرير المعنون: “مع عدم تحقيق أهداف الحرب تواجه حكومة نتنياهو استياءً شعبياً مع اقتراب موعد الانتخابات”، ويشير إلى أنه بالتزامن مع تعثر أهداف الحرب مع إيران، تواجه حكومة نتنياهو غضباً شعبياً متزايداً، يترجم إلى ضغوط انتخابية واحتجاجات وانتقادات داخلية مع اقتراب انتخابات 2026.
لكن الغضب في إسرائيل لا يتحرك في اتجاه واحد، ولا يحمل المعنى نفسه الذي قد يفهمه المتابع من الخارج. فالشارع لا يثور؛ لأن الحرب وقعت، ولا لأن المواجهة مع إيران مرفوضة من الأساس، بل لأن قطاعات واسعة تشعر أن القيادة السياسية لم تستطع تحويل القوة العسكرية إلى معنى سياسي واضح، يمكن للناس فهمه والوثوق به.
هنا تظهر الأزمة: الحكومة تحدثت عن نجاحات عسكرية. يصف نتنياهو الحرب مع إيران، بأنها ناجحة، وضربة استباقية ضد تهديد “وجودي”، وقال: “لقد سحقنا آلة التدمير التابعة للنظام الإيراني مسبقاً”، لكنه أيضاً لم يحقق هدفاً، كان قد أعلنه سابقاً: إسقاط النظام الإيراني.
وفي المقابل، تحدثت المعارضة عن حرب بلا نتائج حاسمة.
وبين الموقفين، بقي السؤال معلقاً داخل الشارع الإسرائيلي نفسه: ما الذي تحقق فعلاً؟ هل كان الهدف مجرد توجيه ضربة لإيران لاستعادة الردع ومنع خطر حرب أخطر لاحقاً؟ أم إسقاط النظام الإيراني نفسه؟
كل إجابة كانت تفتح باباً جديداً للشك، لأن تعريف النصر بدا متغيراً بقدر تغير الخطاب السياسي ذاته.
لذا بدت الاحتجاجات وكأنها على عدم وضوح الرؤية أكثر من كونها على الحرب. فحتى داخل موجة الغضب، ظل هناك اقتناع واسع، بأن المواجهة مع إيران ضرورة أمنية، لا يمكن تجاهلها. المشكلة ظلت كامنة في الفجوة المتزايدة بين الخطاب السياسي الذي يتحدث عن إنجاز تاريخي، والشارع الذي لا يرى هذا الإنجاز.
نتنياهو وحرب الأسئلة المفتوحة
لم يتحول الداخل الإسرائيلي بعد الحرب مع إيران إلى شارع صاخب، يطالب بإنهاء المواجهة أو الانسحاب، كما حاول الإعلام في بعض الصور أن يوحي بذلك.

ربما يكون العكس هو الأقرب للحقيقة؛ فحتى داخل موجة الانتقادات والغضب، بقيت فكرة المواجهة مع إيران، تحظى بقبول واسع داخل قطاعات كبيرة من المجتمع الإسرائيلي، باعتبارها جزءاً من الأمن القومي، لا مجرد خيار سياسي عابر.
لكن حكومة نتنياهو بدت غير قادرة على شرح ما تحقق. فبينما تحدث هو وحلفاؤه عن “تحولات تاريخية” و”ضرب المشروع الإيراني”، بقي الشارع الإسرائيلي يتعامل مع واقع مختلف أكثر ضبابية: لا حرب انتهت، ولا نتائج حُسمت، والتهديد ما زال قائماً.
هذه الفجوة أخذت في التنامي مع التناقض بين لغة المؤسسة العسكرية ولغة السياسيين. الجيش تحدث بلغة أكثر بروداً وواقعية: عمليات، أهداف، قدرات، تهديدات. أما الطبقة السياسية فذهبت إلى خطاب أوسع: إعادة تشكيل الشرق الأوسط، ومنع الخطر الإيراني، والانتصار التاريخي.
وبين الخطابين، بقي الشارع الإسرائيلي معلقاً بين روايتين مختلفتين للحرب.
هذا يفسر لماذا اتجه جزء كبير من الغضب نحو نتنياهو تحديداً، لا نحو خيار المواجهة ذاته. فداخل قطاعات من المعارضة وبعض الأوساط الأمنية، تصاعدت الشكوك، حول ما إذا كانت الحكومة تدير الحرب، باعتبارها أيضاً فرصة لإعادة إنتاج الشرعية السياسية لنتنياهو، الذي يواجه أصلاً أزمة ثقة داخلية عميقة.
والأخطر، أن الإسرائيليين لا يرون نهاية واضحة لهذا المسار. فالحرب بالنسبة لكثيرين لم تعد حدثاً استثنائياً له بداية ونهاية، بل حالة مفتوحة ومتكررة بأشكال مختلفة، تارة مع حزب الله وتارة مع إيران.
إسرائيل الغاضبة… أكثر تمسكاً بالعقيدة الأمنية
ورغم كل هذا الغضب، لم يتحول الداخل الإسرائيلي إلى حالة رفض شاملة للحرب أو للعقيدة الأمنية التي تحكم الدولة منذ عقود.
هنا تظهر مفارقة لافتة، تناولتها القراءات الغربية: إسرائيل تبدو منقسمة من الداخل سياسياً إلى حد غير مسبوق، لكنها في الوقت نفسه أكثر تمسكاً بفكرة القوة والردع.
الاحتجاجات ضد نتنياهو لم تنتج تياراً واسعاً، يطالب بتغيير جذري في طريقة تعامل إسرائيل مع إيران، بل أنتجت شيئاً مختلفاً: إدارة أكثر كفاءة للحرب، لا إنهاء منطقها بالكامل.
حتى خصوم الحكومة، بمن فيهم قطاعات من المؤسسة الأمنية السابقة والمعارضة، لا يناقشون غالباً مبدأ المواجهة ذاته، بل يناقشون حدودها، توقيتها، وطرق إدارتها سياسياً.

الانقسام الحقيقي لا يدور بين دعاة حرب ودعاة سلام، بل بين من يعتقدون أن الحكومة الحالية تدير الصراع بصورة فوضوية، ومن يرون أنها ما زالت الأقدر على حماية إسرائيل في بيئة إقليمية تزداد عدائية.
ولهذا بقي الجيش بالنسبة لقطاعات واسعة المؤسسة الأكثر قدرة على فرض قدر من الاستقرار والحماية وسط الفوضى.
بينما الغضب الإسرائيلي يبدو غضباً داخل النظام، لا ضد النظام، كما عكست ذلك صحيفة الواشنطن بوست، وفى تقريرها رصدت تصاعد الانتقادات الشعبية والسياسية، واعتبار الهدنة مع إيران “فشلًا سياسيًا” يضعف نتنياهو قبل الانتخابات.
كما أعادت الحرب ترتيب الأولويات داخل إسرائيل بصورة واضحة. قبل المواجهة مع إيران كانت البلاد غارقة في أزمات داخلية حادة: انقسامات حول القضاء، احتجاجات ضد نتنياهو، واستقطاب سياسي. لكن التهديد الخارجي أعاد الأمن إلى قمة المشهد مرة أخرى.
ولهذا تبدو التقديرات الغربية التي تشير إلى تفكك داخلي إسرائيلي مبالغاً فيها. فإسرائيل لا تعيش لحظة انهيار، لكنها تعيش تحولاً مختلفاً وأكثر تعقيداً: مجتمع منقسم سياسياً، لكنه ما زال متماسكاً أمنياً تحت وطأة الخوف المستمر.
من الردع إلى الاستنزاف… كيف تغيرت إسرائيل من الداخل؟
ربما خرجت إسرائيل من الحرب مع إيران دون هزيمة واضحة أو نصر حقيقي، لكنها لم تخرج كما دخلت.
وخلف خطاب الردع والانتصار، بدأت تتشكل إسرائيل مختلفة: أكثر خوفاً، أكثر عسكرية، وأكثر اعتياداً على فكرة أن الصراع لم يعد مرحلة استثنائية، بل حالة دائمة.
الحرب أعادت إنتاج نتنياهو مؤقتاً، باعتباره “رجل الأمن”، لكنها لم تنه أزمته. وهو يجاهد لاستعادة صورته عبر المواجهة مع إيران، وجد نفسه أمام شارع، لا يرفض الحرب، لكنه لم يعد يمنحه ثقته بسهولة، لمجرد أنه من يديرها.
الداخل الإسرائيلي بدا وكأنه يتحول تدريجياً نحو نموذج “التعبئة الدائمة”. الأمن يعود لابتلاع السياسة من جديد، والمؤسسة العسكرية تستعيد وزناً أكبر مع كل تراجع في الثقة بالحكومة، بينما يتحول الخوف من إيران وتعدد الجبهات إلى عنصر تماسك داخلي، يتجاوز الانقسامات الحزبية.
هذا التحول لا يظهر فقط في الخطاب السياسي، بل يمتد بهدوء إلى الاقتصاد والمجتمع. فالحرب الطويلة تعني إنفاقاً أمنياً أعلى، وضغطاً متزايداً على الاحتياط وسوق العمل، وتآكلاً تدريجياً لفكرة “الحياة المستقرة” التي طالما قدمتها إسرائيل، باعتبارها أحد عناصر تفوقها.
ومع كل جولة تصعيد، يصبح السؤال ليس النصر، بل القدرة على تحمل الاستنفار دون إنهاك داخلي وتآكل بطيء.
ولهذا ربما يكون التحول الأهم أن إسرائيل لم تعد تبحث عن حسم كامل بقدر ما تبحث عن إدارة مستمرة للصراع.
وهنا تكمن المفارقة: إسرائيل التي بنت صورتها لعقود كدولة ردع وحسم سريع، تبدو اليوم أقرب إلى دولة، تتعلم كيف تعيش داخل حرب طويلة لا تعرف متى وكيف تنتهي.






