تستند العلاقات التركيةــ الإيرانية تاريخياً إلى معادلة، تجمع بين التنافس والتوازن الإقليمي، مع تباين في ملفات مثل سوريا والعراق. وفي ظل الحرب الأمريكيةـــ الإسرائيلية على إيران، تنظر أنقرة إلى بقاء الدولة الإيرانية، باعتباره ضرورة لأمنها القومي، خشية أن يؤدي انهيارها إلى فراغ إقليمي واضطرابات حدودية وتصاعد النزعات الانفصالية الكردية وتدفقات لجوء واسعة نحو الداخل التركي.
وفي الوقت نفسه، أتاح تراجع نفوذ طهران الإقليمي خلال المرحلة الماضية، بفعل الحرب على غزة وضعف حلفائها وسقوط نظام بشار الأسد، مساحة أوسع لتركيا لتعزيز حضورها الإقليمي والانخراط بقوة في ملفات الشرق الأوسط، من الوساطة إلى إعادة تشكيل التوازنات السياسية.
بجانب زاوية الأمن الإقليمي وعلاقات الدولة بمحيطها، هناك زاوية الصراع السياسي داخل تركيا، فالتداعيات الاقتصادية المحتملة من اضطراب الطاقة وارتفاع أسعار النفط إلى الضغوط على الليرة والتضخم، تهدد مساعي الحكومة وخطتها للتعافي بعد سنوات من الأزمات المالية، في وقت كان فيه الاقتصاد نفسه دافعاً لإعادة تموضع السياسة الخارجية تجاه مصر وبعض دول الخليج.
لذلك، تتداخل الحرب مع الاستقطاب السياسي الداخلي؛ إذ تسعى السلطة إلى توظيفها لتعزيز خطاب الأمن القومي والالتفاف حول العلم، بينما ترى المعارضة فيها دليلاً جديداً على هشاشة الاقتصاد وفشل إدارة أردوغان للأزمات وارتهان السياسة التركية لصراعات الإقليم، بما يجعل الحرب عاملاً مؤثرا على التوازنات السياسية داخل تركيا مستقبلا.
أولاً: استراتيجية السلطة.. الأمن القومي وحدود التوازن مع الناتو
تتعامل حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان مع الحرب انطلاقاً من اعتبارات بقاء الدولة الإيرانية وجزءا فاعلا في الأمن القومي والإقليمي؛ لذلك يجمع الموقف التركي بين رفض الحرب، والدعوة إلى وقفها، والانخراط في الوساطة، مع تبني خطاب يستند إلى القانون الدولي ورفض توسيع الصراع، بالتوازي مع رفض أي سيطرة إيرانية على مضيق هرمز أو تحوله إلى ما يشبه “بحيرة إيرانية”، وفق تعبيرات متداولة في الأوساط الدبلوماسية.
وفي هذا الإطار، أظهرت أنقرة حياداً حذراً، يرتبط بإدارة التوازن بين عضويتها في الناتو وعلاقات الجوار مع إيران، إضافة إلى حسابات الداخل التركي، كما رفضت منطق “تغيير النظام” عبر التدخل العسكري الخارجي، خشية أن يؤدي تفكك إيران إلى اضطرابات حدودية وصعود نزعات انفصالية شرقي تركيا.
ويرتبط هذا الموقف نسبيا ً بالهاجس الكردي؛ إذ ترفض أنقرة أي دعم أمريكي أو إسرائيلي للحركات الكردية المسلحة على الحدود العراقية ـ الإيرانية، خشية تنشيط النزعة الانفصالية وإحياء مشاريع الحكم الذاتي الكردية، في ظل وجود كتل سكانية “ديموجرافية” كردية موزعة بين تركيا وسوريا والعراق وإيران.
وجاء الحياد التركي في ظل رسائل إيرانية عسكرية وسياسية مباشرة؛ إذ رُصد خلال مارس إطلاق أربعة صواريخ، استهدفت راداراً تابعاً للناتو وقاعدة “إنجرليك” الجوية جنوبي تركيا، حيث تتمركز قوات أمريكية، ومع الصاروخ الأول استدعت الخارجية السفير الإيراني، رغم نفي طهران مسؤوليتها، بينما أصدرت وزارة الدفاع عقب الصاروخ الثاني بياناً حازماً، لوّحت فيه برد قوي، كما حذر أردوغان إيران من “الخطوات الاستفزازية والخاطئة”. واعترضت دفاعات الناتو صاروخاً ثالثاً قرب قاعدة إنجرليك، قبل أن ترسل أنقرة احتجاجاً وتحذيراً رسمياً بعد الصاروخ الرابع، مؤكدة أنها ستتخذ “جميع التدابير اللازمة” لحماية مجالها الجوي.
وكشفت هذه التطورات محدودية أنظمة الدفاع الجوي التركية في مواجهة الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، وحاجة أنقرة للقدرات الاعتراضية التابعة للناتو. ورداً على التصعيد، نشر الحلف بطاريات “باتريوت” إضافية في ولاية ملاطية، كما علّقت الولايات المتحدة عمل قنصليتها في أضنة، وأجلت موظفين وعائلاتهم، في حين أسست تركيا “رئاسة إدارة الطوارئ والتخطيط الدفاعي” تحسباً لاتساع الحرب أو امتدادها لأشهر.
ويرى خبراء عسكريون، أن إيران تعمدت توجيه رسائل محدودة دون التسبب في أضرار كبيرة، قد تدفع الناتو لتفعيل “المادة الخامسة” من ميثاق الحلف التي تعتبر أن أي هجوم على أي من دوله هو هجوم على كل دوله والحلف ذاته، أو تؤدي إلى تحول الرأي العام التركي ضدها، خاصة مع وجود تعاطف ضمني داخل بعض الأوساط التركية مع إيران في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة.
ومع ذلك وصف وزير الخارجية هاكان فيدان، اختراق المجال الجوي التركي بأنه “أمر غير مقبول”، ورغم نشر نظام الدفاع الصاروخي للناتو في تركيا منذ سبتمبر 2011، والذي اعتبرته طهران آنذاك جزءاً من منظومة حماية إسرائيل، رفضت أنقرة استخدام قواعدها في شن ضربات ضد إيران، خشية تحول المدن التركية إلى أهداف مباشرة للصواريخ الإيرانية، مع استمرار التزامها الدفاعي داخل الحلف، الذي تجنب بدوره الانخراط المباشر في الحرب، واعتبرها وفق تصريحات أوروبية متكررة، “ليست حربنا”، في إشارة ضمنية إنها حرب اختيارية من جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ثانياً: المعارضة التركية.. بين نقد الاقتصاد والموقف من التحالفات العسكرية
تمثل الحرب بالنسبة للمعارضة التركية، رغم اختلاف توجهاتها، فرصة لإبراز ما تعتبره فشل سياسات السلطة، سواء في إدارة الاقتصاد أو في العلاقة مع الأحلاف الغربية، كما ترى فيها عاملاً إضافياً، يكشف هشاشة الاقتصاد التركي، ويزيد الضغوط على الموازنة والتضخم وأسعار الطاقة، ويوسع الجدل حول علاقة تركيا بالناتو وحدود الانخراط في الصراعات الإقليمية.
وينطلق خطاب حزب الشعب الجمهوري (CHP) من مقاربة برجماتية، تركز على الاقتصاد والهواجس الديموجرافية، متهماً الحكومة بالفشل في تحصين الاقتصاد أمام تداعيات ارتفاع أسعار النفط، واحتمالات انقطاع إمدادات الطاقة الإيرانية، واضطراب سلاسل الإمداد المرتبطة بأزمة مضيق هرمز.
كما يمثل ملف اللاجئين رأس حربة للمعارضة، بما في ذلك الأحزاب القومية، التي حذرت من احتمال تدفق ملايين اللاجئين نحو الحدود الشرقية، مطالبة بنشر الجيش وتشديد الإجراءات الحدودية، ومتهِمة السلطة بتحويل البلاد إلى “غرفة انتظار” للاجئين من أجل حماية أوروبا مقابل التمويلات والتفاهمات الاقتصادية، في ظل الجدل المستمر حول ملايين السوريين وآلاف الأفغان.
وفي الوقت نفسه، تطالب المعارضة بالالتزام بالمبادئ الدفاعية للناتو دون التورط في مغامرات إقليمية، مع العودة إلى مقاربة مؤسساتية، تعيد الاعتبار لوزارة الخارجية ومؤسسات الدولة، في مواجهة “شخصنة” للقرار السياسي في ظل النظام الرئاسي، كما تربط المعارضة بين الأزمة الحالية وانتقادها للانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي، معتبرة أن ذلك عزز سلطة أردوغان ومدد بقاءه في الحكم.
في المقابل، يتبنى اليسار التركي، بما في ذلك مؤتمر الشعوب الديمقراطي (HDK) وDEM Party والحركات الاشتراكية والنقابية، موقفاً أكثر جذرية يرفض الحرب على إيران، باعتبارها “حرباً إمبريالية”، تقودها الولايات المتحدة للهيمنة على المنطقة.
ويطالب هذا التيار بالخروج من الناتو وإغلاق القواعد العسكرية الأجنبية، كما يبدي قلقاً من “الأمننة” المتزايدة للملف الكردي واحتمال استغلال المخاطر الحدودية؛ لتبرير عمليات عسكرية أو تشديد القبضة الأمنية بغطاء “حالة الطوارئ”.
وتتزايد هذه المخاوف رغم إعلان عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني، دعمه خيار إلقاء السلاح والانخراط في المسار السياسي؛ لحل القضية الكردية، بالنظر إلى مكانته الرمزية وتأثيره الواسع على الحركة الكردية داخل تركيا وخارجها.
وينطلق خطاب اليسار التركي من فكرة التضامن مع الشعوب والطبقات العاملة في تركيا وإيران، بوصفها الطرف، الذي سيدفع كلفة الحرب “دماً وفقراً”، مع رفض تدخل القوى الكبرى والأنظمة السلطوية الإقليمية والدعوة إلى حلول سلمية.
ثالثاً: التبعات الاقتصادية.. الطاقة والعملة والتضخم
فرضت الحرب ضغوطاً اقتصادية ثقيلة على تركيا، نظراً إلى اعتمادها على إيران كمورد رئيسي للغاز الطبيعي وكممر تجاري نحو آسيا الوسطى، كما يهدد تعطل هذا المسار، بالتوازي مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط، بزيادة الضغوط على ميزان المدفوعات والعملة والتضخم.
ودفعت هذه التطورات الليرة التركية إلى حدود 44 ليرة مقابل الدولار، ما أجبر البنك المركزي على ضخ نحو 26 مليار دولار خلال الشهر الأول للحرب لحماية العملة، بينها 12 مليار دولار في أسبوع واحد، بما يعادل نحو 15% من الاحتياطي، كما لجأت السلطات إلى تسييل احتياطيات الذهب عبر بيع 22 طناً، أعقبها بيع 34 طناً إضافية؛ لتوفير الدولار.
وفي الوقت نفسه، ارتفعت معدلات التضخم إلى نحو 40%، ما يعطل خطة الإنعاش الاقتصادي، التي كانت تستهدف خفضه إلى 15%، بعد أن تراجع سابقاً إلى حدود 32%، كما أدى ارتفاع أسعار النفط، التي تجاوزت 110 دولارات للبرميل مقابل تقديرات حكومية بحدود 65 دولاراً، إلى توسيع العجز المالي؛ إذ تشير التقديرات، إلى أن كل زيادة بمقدار 10 دولارات في سعر النفط تضيف ما بين 3 و5.1 مليارات دولار إلى عجز الحساب الجاري، مع توقعات بوصول عجز الموازنة إلى 45 مليار دولار خلال العام الجاري.
وسعياً لاحتواء الغضب الشعبي، جمدت الحكومة ضرائب الوقود، فيما ستضطر شركة الغاز الحكومية “بوتاش” إلى مضاعفة الدعم ليصل إلى نحو 6 مليارات دولار. بينما تتزايد المخاطر المرتبطة بخطوط الإمداد، إذ تمر نحو 20% من واردات النفط الخام عبر الخليج ومضيق هرمز، إلى جانب الاعتماد على الغاز والأسمدة القادمة من قطر، ومخاوف استهداف خط أنابيب “باكوـ تبليس ـــ جيهان”، فضلاً عن هشاشة الاعتماد على إمدادات خارجية من الغاز.
رابعاً: الحرب والصراع السياسي الداخلي
في ظل الأزمات الاقتصادية والسياسية، تمنح الحرب السلطة فرصة لإعادة تفعيل خطاب “الالتفاف حول العلم”، لكنها تحمل في الوقت نفسه مخاطر تصاعد الاستقطاب السياسي والاجتماعي.
ومن المرجح، أن تتحول أي انتخابات مقبلة إلى استفتاء مزدوج حول الأمن القومي ومستوى المعيشة؛ إذ ستسعى السلطة إلى تصوير المعارضة، باعتبارها ضعيفة أو تابعة للخارج، بينما ستستثمر المعارضة أزمة التضخم والبطالة والخوف المجتمعي لتقويض شرعية الحكومة.
وتشير استطلاعات رأي حديثة إلى تصاعد التشاؤم الاقتصادي والسياسي بين المواطنين، بما يحد من تقبل أي انخراط عسكري واسع، ويرفع احتمالات عودة الاحتجاجات الاجتماعية، خصوصاً بعد نجاح تحالفات المعارضة في السيطرة على مدن رئيسية في انتخابات المحليات، كانت تقليدياً ضمن نفوذ حزب العدالة والتنمية، خصوصاً بعد انتخابات مارس 2024 التي تصدر فيها حزب الشعب الجمهوري المشهد الانتخابي للمرة الأولى منذ أكثر من عقدين.
وفي أجواء الحرب وتصاعد النزعات السلطوية، تزداد احتمالات تضييق المجال العام وتقليص الحريات بذريعة الأمن القومي، بما قد يفاقم التوتر بين الدولة من جهة، واليسار والمكون الكردي من جهة أخرى، وفيما تخشى تركيا من سيناريو انهيار الداخل الإيراني، وما قد يرافقه من تضخم إضافي وتراجع جديد للعملة واختلال ميزان المدفوعات وتصاعد التوترات العرقية الكردية، فإن استمرار النظام الإيراني قد يحقق قدراً من الاستقرار النسبي، وإن ظل الاستنزاف الاقتصادي للحرب عاملاً ضاغطاً على الداخل التركي، ويبرز بدرجة كبيرة تصاعد الحركات الاجتماعية بقيادة تحالفات اليسار، خاصة في المدن الكبرى التي يحظى بنفوذ فيها.
إجمالاً:
تمثل الحرب على إيران اختباراً معقداً للدولة التركية وللسلطة الحاكمة معاً. فبينما تسعى الحكومة إلى تحصين الأمن القومي وتعزيز المركزية السياسية تحت ضغط الخطر الخارجي، ترى المعارضة بمختلف أطيافها، في الأزمة دليلاً إضافياً على فشل الإدارة الاقتصادية وارتهان السياسة التركية لصراعات الإقليم ومفاقمة الأزمة الاقتصادية.
ورغم التباينات بين المعارضة القومية واليسارية، فإن فرص تشكل تحالفات أوسع ضد سلطة أردوغان، تبقى قائمة، كما حدث في انتخابات المحليات، بما قد ينعكس على أي استحقاقات انتخابية مقبلة، في ظل مجتمع يواجه تضخماً مرتفعاً وضغوطاً معيشية متزايدة وقلقاً متصاعداً من كلفة الصراعات الإقليمية على الداخل التركي.






