لا يمكن أن نتخيل أبدًا أن تكون العلاقة الزوجية، التي استقر في مفاهيمنا على أنها علاقة محبة ومودة، أن تصل بحال من الأحوال أن تكون محل لاشتراطات على التزامات أو حقوق مالية، وكأنها مشروع تجاري قابل للمكسب والخسارة، هذه العلاقة التي أفصح عنها القرآن، في سورة الروم، الآية رقم 21، بقول المولى “ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة”، وهو ما يؤكد على أن تأسيس العلاقة الزوجية لا يُبنى سوى على المودة والتراحم بين الزوجين.
ولكن جاء مشروع قانون الأسرة الجديد بمفاهيم مغايرة لذلك، ولا تنبي سوى عن تخوف طرفي العلاقة من بعضهما البعض، فيجب التحرز والاشتراط قبل بدء العلاقة، وهو ما نلاحظه في العديد من مواد مشروع القانون، فنجد أخفهم بداية نص المادة 29 بقولها: أن للزوجة أن تشترط في عقد زواجها، ما يحقق منفعتها، ولا يتنافى مع مقاصد العقد، ولها فسخ العقد حال إخلال الزوج بما تم الاتفاق عليه، وهذه العبارات التي وردت بعمومية واسعة المعاني، تفتح الباب على مصراعيه؛ لجعل عقد الزواج ما يقارب عقود الإذعان، ثم كانت نهاية المادة بمنح الزوجة حق فسخ العقد، وليس طلب الطلاق، وهذا أمر فارق في الحياة الزوجية، وكأننا لم نختلف شيء عن العقود المدنية. ثم يلي ذلك النص ما جاء في المادة 31 منه، ما هو أشد من الشرط السابق، حيث جاء النص، على أنه على كل مقبل على الزواج، أن يقدم وثيقة تأمين، تضمن للزوجة الحصول على مبلغ مالي أو نفقة شهرية محددة المدة حال حدوث الطلاق البائن أو التطليق بحكم قضائي.
وهذ النص أعتقد أنه لا يكفيه تحليل مقالي حال الموافقة عليه وإقراره من قبل مجلس النواب، فهل السادة أصحاب المشروع فقط ينظرون إلى محاولة معالجة الآثار المترتبة على الطلاق، أو معالجة ما يحدث في قضايا النفقات، وعلى نحو مفهوم معاكس، أليس في هذا النص ما يدفع الزوجة للتحكم في العلاقة أو على أقل تقدير افتراض سوء النية دوما من قبل الزوج، كما أنه من ناحية تقنية بحتة، يجعل هناك ازدواجية في الالتزامات المالية المترتبة على الزوج من مهر ومؤخر ونفقة عدة ونفقة متعة، بخلاف النفقات العادية” نفقة الأطفال وأجر مسكن وحضانة “، هذا بخلاف أن الفكرة في حد ذاتها تدفع إلى عدم الإقدام على الزواج في حد ذاته، لكونه سيكون أكثر صعوبة على الشباب الذين في حالة تكوين مالي لأنفسهم، هذا بخلاف أن النص على صورته المنشورة لا يربط استحقاق مبلغ التأمين أو الوثيقة التأمينية على ثبوت خطأ أو ضرر، إنما فقط يجعل من واقعة الطلاق بغض النظر عن دواعيها سبب وحيد لاستحقاق تلك الوثيقة. ومن الناحية التشريعية المحضة، فإن ذلك النص يخرج عن إطار التوازن التشريعي في تنظيم الحقوق، وخروجه عن مبدأ التناسب والعدالة الاجتماعية، وربما يكون ذلك الشرط مقبولًا حال إقراره مع الطلاق التعسفي أو ثبوت تضرر الزوجة فعليًا من هذه العلاقة، وأرى أن الأفضل أن يكون ذلك الشرط اختياريًا، وخاضعًا للإرادة الحرة للزوجين إن شاءا أن يقراه أو لا.
لكن المشرع في مشروع هذا القانون، لأسباب لست على دراية بها، فإنه يضع المزيد من الشروط والتعقيدات، التي تجعل من الإقدام على الزواج مسألة تحتاج إلى المزيد من دراسات الجدوى الاقتصادية، وهذا ما يؤكده نص المادة 47 من المشروع، وهي التي تسمح للزوجة بطلب استرداد المنقولات الزوجية، حتى ولو ما زال الزواج قائمًا، كما أن لها الحق في المطالبة بقيمتها حال هلاك المنقولات أو تعذر الاسترداد دون سبب راجع للزوجة. وهذا ليس من الأمور الغائبة عن المجتمع أن المنقولات جميعها، إنما جعلت للاستعمال المشترك في منزل الزوجية، فيجب أن يتم تحكيم العقل حال إقرار مثل تلك الشروط، لأنها تذهب بالعلاقة الزوجية أو تضعها في مهب الريح، ذلك بخلاف الأحكام الواردة في مواد النفقة الزوجية، والتي فتحت الباب لمخالفة أحكام الشريعة، والتي من المتفق عليه فيها “أن النفقة مقابل الاحتباس، ولكن جاء في المادة 50 من المشروع أنه لا يعتبر سببًا لسقوط النفقة خروج الزوجة من مسكن الزوجية في الأحوال، التي يباح فيها ذلك بحكم الشرع مما ورد به نص أو جرى به عرف، أو قضت به ضرورة ولا خروجها للعمل المشروع كحق أصيل لها، ما لم يثبت أن ذلك يضر بمصلحة الأسرة. وعلى هذا النحو من الصياغة المتخبطة تضيع الحقوق، بل تضيع الأسر، ولا وجود لبناء مجتمعي صالح، إذ كيف يساوي النص ما بين الاشتراطات الشرعية، والتي هي الأساس الديني الأصيل للعلاقة الزوجية، وبين العرف، هذا من ناحية نصية، كما أن النص لم يفرق ما بين الخروج مع الإقامة، وهو الخروج للعمل، وبين ترك منزل الزوجية، وهو ما يسميه الفقهاء بالاحتباس الموجب للنفقة.
ذلك بخلاف ما جاء في إجراءات النفقة، والتي بنيت جميعها على افتراض مؤداه امتناع الزوج عن الإنفاق، أو إخفاء الدخل، فجأت الفكرة مؤسسة على منهجية التحصيل القسري للنفقة، والتقدير الجزافي لدخل الزوج، وهو الأمر الذي يخرج بهذه النصوص عن دائرة التوازن التشريعي، واللجوء لفكرة الإكراه البدني، وهو المنصوص عليه توسعا في أحكام الحبس المترتبة على دين النفقات، كما يغيب عن كل هذه الأمور التنظيمية الحالة الاقتصادية الأساسية والواقعية، التي يجب أن تبنى عليها كل هذه الأحكام المترتب عليها التزامات مالية، حيث يجب أن تتم مراعاة القدرة الفعلية على الإنفاق، وليست القدرة الجزافية، وهذا من أشد الأمور التي تزيد من حدة الخلافات في الأمور الزوجية.
ومن خلال عرض هذه الأمثلة الواردة في مشروع القانون، والتي لا تدفع إلى إقامة علاقة أسرية مؤسسة على التفاهم بين الزوجين، على أقل تقدير، وإنما تُؤسس على الغلبة والتحكمية، وهو ما يهدر في حد ذاته القيمة الجوهرية الحقيقية لمفهوم الزواج، كما أنه يضع حالة من التربص بين الزوجين، تبعد الأمان عن الأسرة، وهو الأمر الذي قد يذهب بعيدًا عن حقيقة الزواج، كما أنه يدفع إلى تأجيج الخلافات بين الزوجين، بخلاف أنه قد يمنع العديد من الشباب من الإقدام على خوض مثل هذه العلاقات بهذا النموذج من الاشتراطات، وهو ما قد يعود بالمجتمع إلى التوسع في العلاقات العرفية، هروبًا من كل هذه الاشتراطات.
إذن، وحيث أن هذه العلاقة ليست شركة مدنية أو مشروع تجاري، فيجب التريث في مناقشة مواد المشروع، وعرضها على المختصين الدينيين والاجتماعيين والنفسيين، قبل طرحها للنقاش أمام مجلس النواب، إذ أن المجتمع المصري به ما يكفي من أمراض، فلا يجب الدفع لزيادتها.






