تتواتر الإشارات، واحدة إثر أخرى، على التدهور الفادح في صورة إسرائيل وأوزانها السياسية، حتى أصبحت دولة شبه منبوذة في العالم بأسره.

لم يكن ممكنا لنائب الرئيس الأمريكي “جي دي فانس” أن يتهم المسؤولين الإسرائيليين بإدارة حملة ممولة للتأثير في الرأي العام الأمريكي لعرقلة الجهود الدبلوماسية مع إيران وإطالة أمد المواجهة العسكرية، إلا إذا كانت البيئة السياسية العامة مستعدة لتقبل هذا التحول الحاد في أداء أحد أبرز رموز البيت الأبيض، والمرشح بقوة لخلافة “ترامب” عن الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

لم تنشأ الجرأة على إسرائيل من فراغ تاريخ، أو بانقلابات مفاجئة.

إنها الثمن السياسي لحربي الإبادة والتجويع على غزة، التي ارتكبت تحت حماية كاملة من الإدارة الأمريكية.

بقوة ردة الفعل خرجت احتجاجات وتظاهرات في كافة العواصم الغربية، ومن داخل جامعات النخبة، تتضامن مع غزة وتندد بالجرائم الوحشية المرتكبة.

لم تكن الاحتجاجات جملا عابرة بقدر ما كانت تأسيسا لوعي جديد، بدأ يكتسح الأجيال الشابة، حتى داخل المجتمع اليهودي نفسه في مدينة نيويورك.

تقوضت السردية الإسرائيلية، التي كرست في سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية، عن مذابح الهولوكوست والعداء للسامية والدولة الصغيرة الديمقراطية والحديثة، التي يحيط بها عالم عربي متوحش ومتخلف يهدد أمنها ووجودها!

الصور المروعة روت المسكوت عنه.

الإبادة الجماعية فعل إسرائيلي معلن، وكراهية الإنسانية تعكسها المأساة الفلسطينية.

بدا للضمير الإنساني أن استخدام تهمة العداء للسامية في غير موضعها استخفاف بكل قيمة، أو اعتبار فضلا عن أنها لا تخول القتل الجماعي والتجويع المنهجي للقطاع المحاصر.

كما لا تخول الإدارة الأمريكية دعم وحماية إسرائيل من أية مساءلة قانونية دولية، توقف وتردع آلة التقتيل والتخريب.

بتراكم الجرائم ضد الإنسانية حدث تحول نوعي بالمجتمع السياسي الأمريكي بدرجتين متباينتين داخل المعسكرين الديمقراطي والجمهوري.

تناثرت في البيئة العامة اتهامات متماسكة وموثقة بالتورط في جرائم الحرب.

يلفت النظر- هنا- أن استطلاعات الرأي العام، التي أجريت في نيويورك أخيرا، أعطت أفضلية كبيرة لعمدتها “زهران ممداني”، المسلم اليساري، على رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتانياهو” في أوساط يهود المدينة.

في استطلاع رأي آخر على مستوى عالمي- هذه المرة- أجراه مركز “بيو للأبحاث”، الأمريكي الذي يصنف نفسه بأنه غير حزبي، بدت العزلة الإسرائيلية شبه محكمة.

شمل الاستطلاع نحو خمسة وأربعين ألف من (36) دولة.

أكثر من ثلثي المستطلعين أعربوا عن نظرة سلبية لإسرائيل، أغلبهم من الشباب، صوت المستقبل القريب.

في الولايات المتحدة تبنى هذه النظرة السلبية (83%) من الليبراليين، بما يؤشر على أغلبية كبيرة داخل الحزب الديمقراطي.. و(37%) من المحافظين، وهي نسبة لا يستهان بها في تفاعلات الحزب الجمهوري، الذي ينتمي إليه “دونالد ترامب” ونائبه “فانس”.

في إشارة لافتة إلى تحولات مرتقبة ببنية توجهات مجلسي الكونجرس الأمريكي صوت أكثر من مائة نائب ديمقراطي لصالح مشروع قانون يدعو إلى وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل.

مر القانون، لكن نسب التصويت بدت منذرة.

لم يعد ما يسمى حاجة إسرائيل إلى الأمن مسألة مسلم بها.

كان ذلك مصدر إزعاج إضافي للوبيات اليهودية، التي تحاول تضيق فجوات الثقة بحملات ممنهجة، تستبق انتخابات التجديد النصفي لمجلسي الكونجرس في نوفمبر المقبل.

وفق استطلاع الرأي نفسه، ارتفعت نسبة الذين لديهم نظرة سلبية لإسرائيل في الأرجنتين من (46%) عام (2025) إلى (55%) العام الحالي.

كان دعم رموز الحكومة اليمينية المتطرفة في إسرائيل (نتنياهو وبن جفير وسيموتريتش) للمنتخب الأرجنتيني داعيا لإشاعة موجات كراهية حوله بمختلف دول العالم ساعد على تفشيها ما شاب مونديال (2026) من تحيزات تحكيمية مثيرة للجدل لصالح نفس المنتخب.

بدا ذلك استفتاء سياسيا لا رياضيا ومحاكمة شعبية بنفس الوقت للفيفا.

الفصل بين الرياضة والسياسة محض وهم.

هذه بعض أسباب “فانس” في الجرأة غير المعتادة على إسرائيل، إنها دولة مكروهة ولم تعد محصنة، كما كان وضعها قبل حرب الإبادة على غزة.

استهدفت الحملة الإسرائيلية تحسين صورتها، أو وقف تدهورها، والنيل بنفس الوقت من الشخصيات النافذة، التي تدعم خيار التفاوض، و”فانس” في مقدمتهم.

بعبارة متحدية قال نائب الرئيس الأمريكي، الطامح لتولي الرئاسة بعد انقضاء ولاية “ترامب”: “أولويتي تبقى الدفاع عن المصالح الأمريكية”، قاصدا العودة إلى شعار “أمريكا أولا”.

إنها مغازلة انتخابية، صريحة وواضحة، لجمهور حركة “ماجا” “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”، القاعدة الصلبة لصعود “ترامب” مجددا إلى البيت الأبيض، وتأكيد جديد على التزامه المسبق بوقف الحروب.

أراد أن يقول إنه من حيث المبدأ يرفض الانخراط في أية حروب بتحريض إسرائيلي، أو غير إسرائيلي.

 بنص تعبيره: “إسرائيل محض حليف تتقاطع معه السياسات والمصالح، لا طرفا يملي على الإدارات الأمريكية مصالحه وحدها”.

كلامه له وجهان سياسيان، الأول، الضيق البالغ بالاتهامات الموجهة إليه من اللوبيات الصهيونية بشأن التفاوض مع إيران.. والثاني، تقديم نفسه كمرشح مرجح للانتخابات الرئاسية الأمريكية.

وفق تصريح سابق لـ”ترامب” فهناك مرشحان جمهوريان لخلافته، نائبه “فانس”، ووزير خارجيته “ماركو روبيو”.

الأول، طموح ويحاول الآن أن يأخذ مساحة من “ترامب” حتى لا يُحمل بإرثه السلبي في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

الثاني، ربما يكون لديه نفس الطموح، لكنه شبه معزول عن أغلب ملفات الخارجية الأمريكية، خاصة الحرب على إيران، التي يتولاها رجلان من خارج المؤسسة الرسمية الأمريكية، صديق الرئيس “ستيف ويتكوف” وصهره “جاريد كوشنر”.

بصورة، أو أخرى، فإننا بصدد بداية مبكرة للانتخابات الرئاسية الأمريكية، التي تحل بعد أقل من عامين.

الحرب على إيران تدخل في سلم أولويات انتخابات الكونجرس المقبلة، لكنها يصعب أن تستمر إلى مواعيد الانتخابات الرئاسية.

بتوقيته ورسالته كان إلغاء زيارة “نتنياهو” إلى البيت الأبيض تعبيرا عن العبء الهائل، الذي بات يمثله على”ترامب” خشية أن يبدو بنرجسيته المفرطة ضعيفا وهشا ينتظر تعليماته من إسرائيل بشأن الحرب والتفاوض مع إيران.

لا يتوقف “ترامب” عن الادعاء بأنه صاحب القرار، وأن “نتنياهو” يلتزم بما يقرره، دون أن يكون مصدقا.

بنظرة أخرى، فإن ما سجله “فانس” من انتقادات حادة للمسؤولين الإسرائيليين بمحاولة تخريب المفاوضات مع إيران، يعبر عن جانب من حسابات البيت الأبيض، لا عن مجمل الصورة الفوضوية فيه.