‏في الرابع والعشرين من يونيو الماضي، أعلنت شركة راتيو بتروليوم الإسرائيلية التوصل لاتفاق استحواذ على شركة فاروس إنرجي البريطانية.

‏في ظاهر الأمر، يبدو الخبر كصفقة استحواذ عادية بين شركتين مدرجتين في البورصة، وهو ما تعاملت معه معظم التغطيات الاقتصادية حول العالم.

لكن بالنسبة لمصر، لم تكن الصفقة عادية على الإطلاق.

فشركة فاروس ليست مجرد شركة بريطانية، تعمل في قطاع الطاقة، بل تملك حصة في امتيازي الفيوم وشمال بنى سويف لإنتاج النفط أكبر الأحواض البترولية الواعدة في الصحراء الغربية، بينما تعد راتيو إحدى الشركات الشريكة في حقل ليفياثان الإسرائيلي، الذي يورد الغاز للسوق المصرية وفقا لاتفاق الغاز الأخير.

هنا يبدأ السؤال الحقيقي:

هل نحن أمام انتقال لملكية شركة أجنبية إلى شركة أجنبية أخرى؟

أم إننا أمام أول محاولة لدخول شركة إسرائيلية بصورة غير مباشرة إلى قطاع إنتاج النفط المصري؟

وهل أصبحت الصفقة أمرا واقعا بالفعل؟

الإجابة على النقيض من كل ما كتب في التغطيات التي تناولت الموضوع هي: لا

 وهنا تحديدا نبدأ الحديث وفتح الملف

السؤال لم يعد: هل اشترت راتيو شركة فاروس؟

بل أصبح: هل تملك الدولة المصرية من الناحية القانونية حق منع انتقال هذه الحصة إلى شركة إسرائيلية، أو فرض شروطها على الصفقة؟

للإجابة عن هذا التساؤل، علينا العودة إلى ما قبل إعلان الصفقة بعدة أشهر، وإعادة بناء التسلسل الكامل للأحداث، من تعديل اتفاقيات الامتياز، وتسوية المستحقات، وعودة الحفر، وصولا إلى إعلان الاستحواذ، ثم البحث في النصوص القانونية، التي تحكم انتقال السيطرة على امتيازات البترول في مصر.

تفكيك الصفقة

قبل البحث في دوافع الصفقة أو آثارها وتأثيراتها، كان من الضروري الإجابة عن سؤال ابسط: ماذا حدث بالفعل؟

فالكثير من التغطيات الإعلامية تعاملت مع الخبر، باعتباره استحواذا إسرائيليا مكتملا على أصول نفطية داخل مصر، بينما تكشف الوثائق أن الصورة أكثر تعقيدا.  

شركة راتيو بتروليوم الإسرائيلية لم تتقدم لشراء امتيازات بترولية، ولم تتعاقد مع الحكومة المصرية، بل أعلنت التوصل إلى اتفاق استحواذ على شركة فاروس إنرجي البريطانية المدرجة في بورصة لندن.

وتملك فاروس محفظة موزعة بين مصر وفيتنام، من بينها حصة تبلغ ٤٥٪؜ في امتيازي الفيوم وشمال بنى سويف، بينما يتولى الشريك المصري مجموعة آي بي آر تشغيل الحقول، ويملك النسبة المتبقية.

وبذلك، فإن ما تسعى إليه راتيو ليس شراء الامتيازات المصرية مباشرة، بل عبر شراء حصة الشركة البريطانية المالكة لهذه الحصة، وهو ما يعني انتقال الحقوق– إذا اكتملت الصفقة– بصورة غير مباشرة عبر انتقال ملكية، وليس عبر التعاقد المباشر مع الدولة المصرية.

الصفقة مكتملة من الناحية التجارية بين مجلسي إدارة الشركتين، لكنها غير مكتملة قانونيا حتى الآن، لأن انتقال الملكية ما زال معلقا على موافقات وشروط، ترتبط بالأصول التي تملكها فاروس في مصر وفيتنام، وبالتالي، نحن أمام اتفاق لا يزال ينتظر استكمال مساره القانوني.

من هنا، ننتقل من متابعة صفقة استحواذ بين شركتين أجنبيتين على أصل مصري استثمار حساس، إلى بحث حدود السلطة القانونية، التي تملكها مصر تجاه تغيير السيطرة على أحد الامتيازات البترولية العاملة داخل أراضيها.

لماذا الآن؟

لو كانت راتيو قد أعلنت الاستحواذ على فاروس قبل عام، لكان من السهل تفسير الصفقة، باعتبارها محاولة لشراء أصول تواجه صعوبات تشغيلية ومالية.

لكن ما تكشفه الوثائق، هو أن توقيت الصفقة جاء بعد سلسلة من التطورات، التي غيرت وضع الأصول المصرية بصورة ملحوظة.

ففي سبتمبر ٢٠٢٥ وافق مجلس إدارة الهيئة المصرية العامة للبترول على اتفاقية موحدة جديدة لامتيازي الفيوم وشمال بني سويف، تضمنت تحسينات في الشروط الاقتصادية، ومددا أطول للإنتاج والاستكشاف وبرنامجا جديدا للحفر.

وبالتوازي مع ذلك، بدأت أزمة المستحقات المالية، التي ظلت تمثل أحد أكبر التحديات أمام استثمارات الشركة في مصر، في الانحسار تدريجيا. فقد حصلت الشركة البريطانية على دفعات من مستحقاتها المتأخرة، ثم أعلنت في يونيو ٢٠٢٦ أن حساباتها لدى الجانب المصري أصبحت جارية للمرة الأولى منذ استحواذها على هذه الأصول عام ٢٠١٩.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد.

ففي الرابع من يونيو، بدأ حفر أول بئر ضمن برنامج الحفر الجديد، وبعد أيام فقط أعلنت الشركة انتهاء سنوات من الجمود وعودة الاستثمار في الامتيازين، قبل أن تعلن راتيو في الرابع والعشرين من الشهر نفسه، اتفاقها للاستحواذ على حصة فاروس.

هذا التسلسل الزمنى لا يثبت وجود علاقة مباشرة في تحسين أوضاع الامتيازات المصرية وإعلان الصفقة، لكنها حقائق ايضاً، لا يمكن تجاهلها.

فالشركة الإسرائيلية لم تتقدم لشراء شركة، كانت في ذروة أزماتها، بل تحركت بعد أن أصبحت أصولها المصرية أكثر استقرارا، وانخفضت نسبة كبيرة من المخاطر التي كانت تحيط بها.

هنا يبرز سؤال يستحق البحث…

هل كانت راتيو تراقب هذه التطورات حتى أصبحت الأصول المصرية أكثر جاذبية للاستثمار؟

أم أن مفاوضات الاستحواذ كانت قد بدأت بالفعل خلال تلك الفترة، بالتزامن مع تحسن أوضاع الشركة؟

حتى الآن لا تقدم الوثائق المنشورة إجابة قاطعة على هذا السؤال، إذ بينما تكشف نتيجة المفاوضات، لكنها لا تكشف متى بدأت، ولا من بادر بها، وما إذا كانت الشركة الإسرائيلية قد بنت قرارها على التغييرات التي شهدتها الأصول المصرية من تحسن في الأشهر السابقة على الإعلان عن الاستحواذ.

السؤال الطبيعي الآن هو لماذا باعت فاروس أصلا واعدا للغاية؟

الأصول المصرية الصفقة المغرية

إذا كان تحسن وضع فاروس جعل قرار البيع مفهوما، فإن السؤال الأكثر أهمية ومنطقية هو: ماذا رأت راتيو في هذه الأصول حتى تقرر دفع مئات الملايين للاستحواذ عليها؟

الإجابة لا تكمن في الإنتاج الحالي وحده، بل في القيمة المستقبلية المتوقعة، التي تمنحها الامتيازات لمن يسيطر عليها.

ومن هذه الزاوية تبدو امتيازات الفيوم وشمال بنى سويف أكثر من مجرد حقول منتجة.

فالمنطقتان تقعان داخل أحد الأحواض البترولية المصرية، التي ما زالت تشهد نشاطا استكشافيا، كما أن اتفاقيات الامتياز الجديدة لم تقتصر على تحسين العائد الاقتصادي، بل مددت العمر التشغيلي، وأتاحت استكمال برامج التنقيب المؤجلة، وهو ما يعني أن القيمة الحقيقية للامتياز لا تقتصر على النفط المستخرج بالفعل، وإنما تشمل أيضاً احتمال اكتشاف احتياطيات جديدة داخل المناطق المطورة.

 وهنا تتقاطع مصالح الطرفين.

المساهمون في فاروس رأوا فرصة لتحقيق قيمة فورية من بيع الشركة، بينما رأت راتيو فرصة للدخول إلى دورة استثمار جديدة قد تبدأ بإنتاج قائم بالفعل.

ولعل هذا ما يفسر أن الصفقة تمنح راتيو الإسرائيلية أكثر من مجرد حصة في انتاج النفط المصري؛ فهي تمنحها أيضاً والأهم، حق المشاركة في البيانات الجيولوجية، وخطط للاستكشاف، وأي اكتشافات مستقبلية قد تتحقق داخل نطاق الامتيازات

ما يباع في صناعة النفط ليس النفط وحده، بل البيانات أيضاً.

فكل بئر تحفر، وكل مسح زلزالي يتم، وكل عينة صخرية تحلل، تنتج قاعدة بيانات جيولوجية متراكمة، وهي من الناحية المالية تساوي قيمة الحقول نفسها وتوازيها في الأهمية، لأنها تقلل أخطار الاكتشافات المقبلة وتوجه الاستثمارات المستقبلية أي أن راتيو الإسرائيلية لم تشتر ماضيا، بل موقعا داخل المستقبل في أرض مصر.

فإذا اكتملت الصفقة، فلن تصبح راتيو شريكا في إنتاج النفط فحسب، بل طرفا حاضرا في القرار الاستثماري المستقبلي للدولة وفى إدارة أحد الامتيازات البترولية المصرية من خلال حصتها كشريك غير مشغل.

وإذا اكتملت الصفقة، فلن تكون مجرد استثمار نفطي جديد، بل ستمثل تحولا في طبيعة الحضور الإسرائيلي داخل قطاع الطاقة في المنطقة. فحتى الآن ظلت معظم التحركات الإسرائيلية خارج حدودها في قطاع المنبع، تتركز في تراخيص الاستكشاف أو الشراكات البحرية، التي لم تصل إلى امتلاك مصالح إنتاجية قائمة داخل دولة عربية.

بتتبع نشاط راتيو، يتضح أيضاً أن محفظتها تعمل على أربعة أنماط: إسرائيل داخل السوق الإسرائيلية ومن خلال حقل ليفياثان للغاز، المغرب من خلال بحوث استكشاف أولية في المياه البحرية، الفلبين أيضاً من خلال بحوث استكشاف ومسوح زلزالية ولا توجد أصول اشترتها الشركة هناك، وفي جيانا من خلال مشروع استكشاف تطور لاحقا إلى اكتشافات، لكنها دخلته عبر رخصة استكشاف منذ البداية وليس عبر شراء شركة تمتلك حقولا قائمة.  

أما هذه الصفقة فمختلفة تماما، حيث تمنح شركة إسرائيلية لأول مرة، طريقا غير مباشر إلى امتيازات انتاج قائمة عبر الاستحواذ على الشركة المالكة لها، لا عبر الحصول على الامتياز نفسه.

في كل توسعاتها السابقة، كانت راتيو تطلب حق البحث عن النفط، أما في مصر، فهي لا تبحث عن النفط.. بل تشتري شركة مستقرة واعدة، تعرف بالفعل، أين تبحث عنه في منتصف خريطة مصر تقريبا.  

هنا تتجاوز القضية شركة راتيو الإسرائيلية، فالسؤال لم يعد ماذا اشترت الشركة، بل أي باب قد تفتحه هذه الصفقة، إذا أصبحت سابقة، يمكن تكرارها مستقبلا.

فإذا كان هذا النموذج يسمح بتغيير هوية المستثمر داخل الامتيازات من خلال شراء الشركة الأم، فهل يملك القانون المصري حق الاعتراض على هذا الانتقال؟

هل تملك مصر حق رفض الصفقة؟

 حتى هذه اللحظة تبدو صفقة استحواذ ريتو بتروليم، على فاروس بتروليم اتفاقا تجاريا بين شركتين خاضعتين للقانون البريطاني، لكن هذه الصورة لا تعكس الواقع القانوني الكامل.

فالامتيازات البترولية في مصر ليست أصولا خاصة، تملكها الشركات وتتصرف بها بحرية، وإنما هي حقوق استغلال منحتها الدولة المصرية بموجب اتفاقيات امتياز وقوانين خاصة، وتظل خاضعة لشروط هذه الاتفاقيات طوال مدة سريانها

وبالتالي هنا يظهر سؤال جوهري: هل يؤدي انتقال ملكية الشركة المالكة للامتيازات إلى انتقال تلك الحقوق تلقائيا، أم أن للدولة المصرية حقا قانونيا في مراجعة هذا الانتقال والموافقة عليه؟

الإجابة الأولية تشير إلى أن الأمر لا يقتصر على بيع الأسهم بين شركتين أجنبيتين. فالنموذج المعتمد لاتفاقيات اقتسام الإنتاج لدى الهيئة المصرية العامة للبترول، يميز بين نقل الامتياز بصورة مباشرة ونقله بصورة غير مباشرة، ولا يقتصر مفهوم التنازل على بيع حصة الامتياز نفسها، بل يمتد ليشمل أي تغيير في السيطرة على الشركة المالكة لتلك الحقوق، بما في ذلك الاندماج أو الاستحواذ أو انتقال السيطرة على رأس المال، إذا كان من شأنه نقل السيطرة الفعلية على الامتياز.

وبناء على ذلك، فإن استحواذ شركة أجنبية على الشركة الأم المالكة لامتيازات بترولية في مصر قد يدخل، وفقا لشروط الاتفاقية في نطاق (التنازل غير المباشر)، وهو ما يفتح الباب أمام دور قانوني للدولة المصرية في مراجعة الصفقة، قبل نفاذ آثارها داخل مصر.

ولا يقل الأمر عند هذا الحد، إذ إن مستندات الاستحواذ نفسها أقرت بأن إتمام الصفقة يتوقف على الحصول على الموافقات التنظيمية المطلوبة، ومن بينها الموافقات المصرية، إذا كانت اتفاقيات الامتياز تشترطها.

وهو ما يعني أن أطراف الصفقة أنفسهم يتحتم عليهم استيفاء المتطلبات القانونية داخل مصر لإتمام الصفقة، بما فيهم فاروس بتروليم المالكة للحقوق.

وبذلك، فاستحواذ راتيو من الشركة الأم لا يعنى انتقال امتيازاتها في مصر، بل يفتح بابا قانونيا آخر: هل يعد هذا الاستحواذ (تنازلا) يستوجب موافقة الدولة المصرية؟ نعم القانون يقول ذلك.

هل سبق وأن واجهت مصر موقفا مشابها؟

لا تعد صفقة راتيو بتروليوم الأولى، التي تنتقل فيها السيطرة على شركة أجنبية، تمتلك امتيازات بترولية في مصر، فخلال السنوات الماضية شهد القطاع عددا من عمليات البيع والاستحواذ، التي طالت شركات، تملك حقوقا في مناطق الامتياز المصرية، وهو ما يتيح فرصة لفهم كيفية تعامل الدولة مع هذه الحالات.

في عام ٢٠٢١ عندما باعت فاروس إنرجي أصولها المصرية إلى شركة آي بى آر، اشترطت مستندات الصفقة الحصول على موافقات الجهات المصرية المختصة قبل انتقال الحقوق البترولية، كما تناولت الإجراءات المرتبطة بنقل تلك الحقوق، وفقا لامتيازات.

وتكرر الأمر في صفقات استحواذ دولية لاحقة، شملت شركات تملك امتيازات في مصر، إذا حرصت مصر على وضع شروط استيفاء الموافقات المصرية قبل سريان انتقال الحقوق داخل البلاد، رغم أن عمليات الاستحواذ نفسها تمت بين شركات أجنبية، وخضعت لقوانين خارج مصر.

ختاما

السؤال الآن بعد كل ما سبق:

هل تمتلك الدولة الأدوات القانونية الكافية لمراجعة انتقال السيطرة على الامتيازات، التي تمس أحد أهم القطاعات الاستراتيجية في البلاد، مهما كانت جنسية المشترى أو البائع؟

النقاط التي عرضناها في هذا التحقيق، تشير إلى أن القانون المصري واتفاقيات الامتياز لم يتركا هذه المسألة دون تنظيم، بل وضعا آليات للتعامل مع انتقال السيطرة والحصول على الموافقات المصرية الأزمة كشرط أساسي. غير أن هذه الصفقة تعيد طرح سؤال أوسع، يتعلق بمدى ملائمة تلك الآليات لتوقيت تتغير فيه ملكية الشركات العالمية عبر الصفقات بوتيرة أسرع من أي وقت مضى.

هذه الصفقة لن تكون آخر اختبار تواجهه مصر في هذا الملف، لكنها قد تكون من أوائل الصفقات، التي قد تدفع إلى إعادة النظر في كيفية حماية المصالح الاستراتيجية للدولة، ليس بمنع الاستثمار وتقييده، بل بضمان بقاء ثروات البلاد خاضعة لرقابة قانونية واضحة، تحقق التوازن بين الاستثمار وصون السيادة على موارد الدولة.