يمثل الدين الخارجي لمصر أحد التحديات الأساسية التي تواجه الاقتصاد المصري حاليًا، بعدما سجل 163.9 مليار دولار بنهاية 2025 مقابل 161.230 مليار دولار بنهاية يونيو 2025، بزيادة قدرها 2.6 مليار دولار.
سددت مصر خلال 6 أشهر فقط فوائد وأقساط ديون خارجية بقيمة 15.995 مليار دولار موزعة بين 3.75 مليارات دولار فوائد ديون، و12.2 مليار دولار أقساط من أصل الدين، وسط حديث وزارة المالية عن خطط متعددة للتعامل مع ذلك الملف.
في العام المالي الحالي، الذي بدأ هذا الشهر، يسجل بند خدمة الدين (الأقساط والفوائد) 5.2 تريليونات جنيه، بزيادة 19.2% مقارنة بالعام المالي الحالي، ويتضمن ذلك المبلغ فوائد بنحو 2.419 تريليون جنيه، مقابل 2.298 تريليون جنيه، بزيادة 5.3%، وأقساط قروض محلية وأجنبية بنحو 2.807 تريليون جنيه، مقابل 2.08 تريليون جنيه خلال الفترة المقارنة ذاتها.
رغم تلك الأعباء، لم تستفد الحكومة من مبادرات إعادة هيكلة ديونها بموجب الإطار المشترك لمجموعة العشرين، الذي تم تصميمه لتقليل تأثير جائحة كورونا قبل سنوات، والذي انضمت إليه 4 دول إفريقية هي إثيوبيا وزامبيا وتشاد وغانا في المطالبة بإعادة هيكلة ديونها.
دولة مثل إثيوبيا استفادت من ذلك الإطار بالفعل ففي يوليو 2025، توصلت إلى اتفاق نهائي مع حكومات أجنبية لإعادة هيكلة قروض ثنائية بقيمة 8.4 مليارات دولار، مع تخفيف عبء الديون بقيمة 3.5 مليارات دولار.
مسئول بوزارة المالية، قال إن ذلك الإطار كان مخصصًا للدول الأشد فقرًا والعاجزة عن السداد لضمان قدرتها على السداد، مضيفًا أن مصر كدولة نامية تعتمد مبادلة الديون بمشاريع تنموية، وخفض الاقتراض الخارجي؛ لتخفيف أعباء الموازنة العامة.
يضيف أن نسبة الدين الخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت إلى 40.3% بنهاية 2025، مقابل 42.4% بنهاية سبتمبر، كما تباطأ نمو نصيب الفرد من الدين الخارجي إلى 1,509.1 دولار مقارنة بـ 1,507.3 دولار في الفترة نفسها، وبالتالي الاستراتيجية المصرية ناجحة.
وفقا للمسئول، فإن مصر تعتمد على جدولة الديون وليس اتفاقية إعادة هيكلة الديون، التي قد تسبب أزمات للدول، فيما يتعلق بكيفية الجدولة لخفض الفائدة أو إقساط جزء من المديونية، كما تحمل أثرا سلبيا على تصنيف الدول ائتمانيًا، وبالتالي تدفق الاستثمارات الأجنبية إليها.
تعتبر وكالات التصنيف الائتماني طلب أي دولة هيكلة ديونها كتغيير الشروط، بأنها تخلفت جزئياً عن شروط العقد الأصلي، ويدفع فوراً إلى خفض تقييمها الائتماني، ما يحول دون قدرتها على الاقتراض مجددا أو يدفع المستثمرين للمطالبة بفوائد أعلى لتعويض المخاطر.
الهيكلة تتضمن مخاطر على التصنيف الائتماني
لم يحدد المسئول نموذجا معينا لذلك، ولكنه ينطبق على إثيوبيا التي تعاني حاليًا، فمنذ 5 سنوات تجاهد لإعادة هيكلة سندات أوروبية بقيمة مليار دولار كانت مستحقة عام ٢٠٢٤، وسط تذبذب موقف لجنة الدائنين الرسمية “OCC”.
لجنة “OCC” هي هيئة تتشكل بموجب الإطار المشترك لمجموعة العشرين للدول المنخفضة الدخل، وتتولى التفاوض والإشراف على إعادة هيكلة الديون السيادية للدول المتعثرة، وتضم ممثلي الدول الدائنة (مثل نادي باريس والصين) وتنسق مع صندوق النقد الدولي لضمان استدامة الديون.
كانت اللجنة قد رفضت الاتفاق في يناير ٢٠٢٦، خاصة من الصين وفرنسا، بحجة أن الشروط تمنح مزايا كبيرة للمستثمرين من القطاع الخاص، وأصروا على أن يتحملوا خسائر مماثلة لتلك التي تقبلها الحكومات السيادية.
ورفض الدائنون من القطاع الخاص مقترحًا جديدًا، قدمته حكومة آبي أحمد، في مايو 2026 رغم أنه يحقق لهم أرباحًا تزيد بنسبة 30% عما لو أقرضوا الحكومة الأمريكية، وطالبوا بأرباح أكبر للفترة، التي تستحق فيها ديونهم، وتمتد من 2025 وحتى 2030.
اضطرت الحكومة الإثيوبية إلى الرضوخ، فالاتفاقية الجديدة تمنح حاملي السندات أموالاً أكثر بكثير، مما يحصل عليه الدائنون الحكوميون، لكن على مدى أبعد، وأكثر مما طرحته إثيوبيا في مايو الماضي.
بموجب الاتفاق الجديد، وافق حاملو السندات على تخفيض الدين البالغ مليار دولار بنسبة 12% إلى 880 مليون دولار، على أن يُسدد على أقساط بحلول عام 2029 بفائدة 6.15%، بانخفاض 0.10 عن النسبة الأصلية البالغة 6.25%، كما ستدفع 99.4 مليون دولار كفوائد متأخرة ورسوم موافقة.
كما سيحق للمستثمرين من القطاع الخاص شراء سندات يوروبوند جديدة، تصدرها إثيوبيا بقيمة تصل إلى مليار دولار، وإذا لم تُصدر أديس أبابا السندات، فسيتعين عليها دفع ما يصل إلى 90 مليون دولار للمستثمرين.
بحسب خبراء، فإن الهيكلة أوصلت بعض الدول لتهديدات الدائنين من القطاع الخاص برفع دعاوى قضائية كحملة السندات الإثيوبية، فقد أعلنوا عن دعاوى قضائية ضد إثيوبيا في المحاكم البريطانية أربع مرات، وتلك الديون تخضع للقانون الإنجليزي، وبالتالي، فإن المملكة المتحدة، التي ستتولى رئاسة مجموعة العشرين العام المقبل تملك صلاحية القيام بذلك.
نقاط تشابه بين النموذجين المصري والإثيوبي
توجد العديد من نقاط التشابه بين القاهرة وأديس بابا بملف الدين الخارجي، فالطرفان ينفذان برنامجا لصندوق النقد الدولي، وإثيوبيا حصلت على برنامج تمويل موسع من الصندوق بقيمة 2.556 مليار وحدة حقوق سحب خاصة (850% من الحصة المخصصة)، أو ما يعادل 3.4 مليارات دولار أمريكي تقريبًا عند الموافقة على البرنامج في 29 يوليو 2024.
تبلغ القيمة الحالية للدين الخارجي لإثيوبيا 21.5 مليار دولار أمريكي في نهاية عام 2022، ودخلت أديس بابا في أزمة ديون حادة؛ نتيجة الاقتراض المفرط لتمويل مشاريع البنية التحتية الحكومية (مثل خط سكة حديد إثيوبيا-جيبوتي)، والذي تفاقم بسبب ضعف عائدات التصدير.
كما سجلت العملة الإثيوبية “البير” أدنى مستوى لها في 2025 لتخسر 28% من قيمتها مقابل الدولار خلال عام، وسط ندرة النقد الأجنبي وارتفاع الطلب عليه، وبلغ متوسط سعر الصرف المرجح 138.55 بيرا مقابل الدولار الأمريكي. واضطرت الدولة لتحرير سعر الصرف لمواجهة سوق الصرف الأجنبي الموازية وإعادة الهيكلة المالية للشركات المملوكة للدولة لخفض الالتزامات الطارئة.
هل تنجح خطط الحكومة؟
فكرة إعادة هيكلة الديون المصرية، وليس الجدولة تم التطرق إليها في بعض الدراسات خاصة في عامي 2023/2024 والتي طالبت بتلك الهيكلة، على أن تشتمل على تخفيض حقيقي للقيمة المدفوعة بنسبة لا تقل عن ٪٢٠ وليس مجرد تمديد آجال السداد أو تخفيض الفائدة المستحقة لتجنب سيناريو التعثر المستمر والوصول إلى عملية هيكلة حاسمة.
وطالبت دراسات أيضًا بضرورة جدولة الديون، ومد متوسط آجال سدادها المنخفضة بشدة حاليًا، والعودة إلى نسبة 90% ديون طويلة الأجل، تسدد على أكثر من خمس سنوات، ونشر شروط القروض وشروط سدادها، مع التوصية بوضع خطة خمسية معلنة مسبقًا للمشروعات المراد تمويلها بالاقتراض الخارجي، وخطة موازية لتنمية الموارد الدولارية التي تتيح السداد، يقرهما البرلمان في تشريع، وتحاسب الحكومة على درجة التزامها بهما.
رجل الأعمال حسن هيكل طرح هو الآخر حلولاً خاصة بالدين العام الأجنبي، تقترب من الهيكلة، بمعرفة طبيعة تلك المديونية، والتي تنقسم لشقين سندات متداولة في البورصة المصرية بجانب مديونية لمؤسسات أجنبية عديدة، واقترح السعي والتواصل مع 20 لـ 30 مؤسسة- صاحبة الدين- من أجل الحصول على إعفاءات لتلك المديونيات.
في المقابل، كان توجه الحكومة نحو إعادة جدولة بعض الديون أو تحويلها إلى استثمارات، مثل ما حدث في الودائع الخليجية سواء الإماراتية أو السعودية وغيرها، ومن أهم الأمثلة على ذلك ما حدث في صفقة رأس الحكمة، حيث كان من ضمن بنودها تحويل الودائع الإماراتية إلى جزء من الصفقة.
الباحث الاقتصادي محمد رمضان يقول، إنه رغم الأثر الإيجابي الفوري لصفقة رأس الحكمة، والتدفق المالي الكبير (35 مليار دولار)، لم تنجح في خفض الدين الخارجي بتلك النسبة، إذ عاد الدين للارتفاع مرة أخرى بعد سنة واحدة من إتمام الصفقة إلى 161.2 مليار دولار بحلول يونيو 2025، وهو مستوى أعلى من مستواه في بداية الأزمة، والذي كان حوالي 155 مليار دولار.
أضاف أن ذلك يثبت أن هناك مشكلة في إدارة المديونية الخارجية على المدى القصير، إذ لم ينجح التدفق الكبير لهذه الأموال سوى في تخفيض 14 مليارا منها 11 مليارا، كانت بالفعل ودائع في البنك المركزي المصري، مما يعني أنه تم تحويلها لاستثمارات، وخرجت من الدين الخارجي.
حنان رمسيس، محللة أسواق المال، تقول إن الحكومة تمضي في جدولة الديون مع بعض الدول واستبدالها بأصول أو استثمارات، مثلما حدث مع الإمارات والصين، بجانب تحويل الديون قصيرة الأجل لطويلة الأجل؛ لجعل السداد في مواعيد مناسبة، على أن تكون الديون طويلة الأجل بفائدة أفضل.
لكن رمسيس تطالب بأن يواكب ذلك ضبط شديد في الاقتراض الجديد؛ لأن خطط الحكومة في السداد تضغط على المواطن بقوة، إذ لا يقابلها إنتاج، وبالتالي، يصبح السداد عبر الرسوم والضرائب والخدمات الحكومية.
د. محمود محيي الدين، المبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل التنمية المستدامة، يقول إن أبرز التحديات ليست في الدين، ولكن في ارتفاع تكلفة خدمة الدين، إذ تقترب من 50% من الصادرات، ما جعل الإنفاق على الدين العام أصبح أكبر من الإنفاق على التعليم والصحة والخدمات الأساسية، مضيفا أن الخروج من هذه الضغوط يتطلب رفع معدلات النمو الاقتصادي، وتعزيز دور القطاع الخاص في الاستثمار، بدلًا من الاعتماد المفرط على المشروعات الحكومية.






