وافق مجلس النواب خلال الجلسة العامة الثلاثاء الموافق 14/ 7/ 2026، نهائيا على مشروع قانون «إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر»، وسوف يتم نشره بشكل أسرع وتيرة من قوانين مغايرة، وقد روجت الحكومة لمشروع القانون المقدم منها، على أساس كونه يدعم الاقتصاد، ويجعل هناك إدارة حرة ومستقلة في إدارة أموال الجهاز بعيدًا عن أوجه البيروقراطية الإدارية المعقدة، وأنه سيكون له أثر بالغ على التنمية المحلية، كما أكدت المذكرة الإيضاحية، أن مشروع القانون يستند إلى المبادئ الدستورية المنظمة للنظام الاقتصادي، والتي تقوم على تحقيق التنمية المستدامة، وتشجيع الاستثمار، وحماية الأنشطة الاقتصادية، وتعزيز دور القطاع الخاص كشريك في عملية التنمية، بما يسهم في رفع معدلات النمو، وزيادة الإنتاج، وخلق فرص العمل، وتحقيق الأمن الغذائي والمائي.
ولكن على صعيد مغاير، هناك أوجه نقد قد وجهت إلى هذا المشروع، والذي بات قانونُا بعد موافقة مجلس النواب عليه، في كونه يعدد من الصناديق أو الأجهزة الخاصة، بما يهدر حرمة المال العام، ويجعل هناك من السبل ما يحولها إلى أموال مملوكة لتلك الأجهزة بشكل خاص، وهو ما يتيح التصرف فيها، وكأنها لم تكن ملكا لجموع الشعب وحصانًا لمستقبل الأجيال القادمة، بما يهدر قيمة ثروات البلاد، حيث يٌعد من أهم أساسيات دور الدولة في المجتمعات الحديثة، المحافظة على ثروات الشعوب، وحسن إدارتها وتنميتها، وهذا أعتقد أنه يشكل عنصرًا بالغ الخطورة لدور الدولة الاجتماعي في العصر الحديث، وتبدو أهمية هذا الدور الاجتماعي للسلطات الحاكمة للدول في ظل تطورات النظريات أو النظم الاقتصادية الغالبة في العصر الحديث، ومن بينها العولمة، واتساع أنشطة الشركات المتعددة الجنسيات، حيث أصبح أمرًا حتميا، أن تتعامل الدول ككيانات سياسية مع تلك الكيانات والتيارات الاقتصادية. ولكن هل يعني أن الدولة عليها أن تتكيف مع تيارات العولمة الاقتصادية أو التفاعل مع الاتجاهات الاقتصادية العالمية والشركات عابرة الحدود، أن تتخلى الدولة عن دورها الرئيسي في الحفاظ على ثروات البلاد، أو السعي نحو خصخصتها، أو جعلها سلعة سوقية لا تختلف عن مسميات القطاع الخاص، أو أن تكون تصرفاتها غير متماشية مع الحفاظ على ثروات البلاد وأصولها، مما يهدر حقوق الأجيال المقبلة فيها، ويزعزع المركز المالي للبلاد. إذ إنه يدق دور الدولة في ظل التطورات العالمية في المناحي الاقتصادية، وخصوصا دورها الاجتماعي، في حرصها وحمايتها على ثروات البلاد، حفاظاً على حقوق الأجيال القادمة في هذه الثروات، وكذلك حرصا من الدول على التدخل في الأمور، التي تمس سلامة الثروات والحرص على عدم تبديدها في ظل تعالي النعرات الرأسمالية المفرطة. وينطبق ذلك القول حتى في أوقات الأزمات المالية أو ظروف الفقر، التي تمر بها الدول في بعض الأزمنة، فليست تلك بمدعاة إلى تخليها عن الحرص في التعاطي مع الأصول المالية للدولة، وألا تتخذ منها سبيلاً للعبور من أزماتها المالية، حيث يبرز الدور الهام الذي يجب أن تضطلع به الدولة في إدارة عملية الاندماج في الاقتصاد العالمي، ويتضمن دور الدولة توفير الحماية للقطاعات المعرضة للتضرر من عمليات السوق والدفاع عنهم، والاستثمار في القطاعات ذات المنفعة العامة والتي لا يُقبِل القطاع الخاص على الاستثمار فيها.
ولا بد من الإشارة إلى أن فكرة الصناديق السيادية في ظل التطور، الذي يشهده النظام المالي العالمي، وهي عبارة عن صناديق تكمن مهمتها في تسيير وإدارة مختلف الثروات والاحتياطيات المالية للدول، حيث تقوم الدول بإنشاء هذه الصناديق لأهداف اقتصادية، فهي صناديق حكومية، تعود ملكيتها للدولة، وتتكون من أصول مالية يتم تمويلها بالفوائض المالية للدولة، وتعتبر الصناديق السيادية ظاهرة ليست جديدة على الشأن المالي العالمي، حيث تعود بدايتها إلى دولة الكويت، حينما أنشأت هيئة الاستثمار الكويتي سنة 1953، وتلا ذلك ظهور لهذه الصناديق تحت مسميات مختلفة في سنغافورة ودولة الإمارات العربية في سبعينيات القرن الماضي، حتى وصلت إلى 53 صندوقا سنة 2008. وهي الطريقة المثلى للدول، التي تتمتع بفائض مالي حالي، تدخره لأي حدث أو طارئ أو أزمة مالية اقتصادية في المستقبل، ويجب أن يتم إنشاء أكثر من صندوق، حتى يكون هناك تنوع وتوازن بالاستثمارات، وأن تتمتع بالحذر، وأن يتم إدارتها من خلال نخبة إداريين محترفين للحصول على النتائج المطلوبة وليس العكس، ومن أسباب نشأة الصناديق السيادية، هو حاجة البلدان التي تمتلك مدُخرات كبيرة، وتريد الحفاظ على هذه المدخرات، بل وتسعى لزيادة أرباحها، ولكن لا يتم استثمارها في أصول عالية الخطورة، حيث أنها مملوكة للدولة وتستثمر بالأصول التقليدية، حيث أن مدخرات بعض الدول تكون عبارة عن ملكيتها لثروة السلع (خصوصاً النفط والغاز)، كما هو الحال في الصين وسنغافورة اللتين لديهما فائض تجاري كبير.
لكن أن يكون هناك أكثر من جهاز أو صندوق، يدير محافظ أو أصول مالية لها علاقة بالمال العام، فإن الأمر لا يمكن أن يخلو من العجب، وأن تقف أمامه علامات الاستفهام، والتي لا بد لها من أن يكون لها مبرر في مثل تلك التنازعات بين جهاز أو غيره، وما مصير المال العام في ظل محاولات الاستحواذ عليه، خصوصًا إذا ما كان هناك نصوص تمنح سلطات واسعة للسلطة التنفيذية، والتي هي بالفعل من يدير تلك الأجهزة، وهذا ما سبق وتمت ملاحظته من تحويل العديد من العقارات المملوكة للدولة بشكل عام، إلى مال خاص للدولة بمقتضى قرارات جمهورية، وبعدها يتم تحويل ملكيتها إلى صندوق مصر السيادي، فما العلة المستوجبة في تعديل ذلك القانون بشكل موسع بهذه الطريقة.
ومما يثير الأمر غرابة، أن يتم منع نشر مقال في جريدة الشروق للدكتور مصطفى كامل السيد عن موضوع القانون، وقد تم نشره في موقع الموقف المصري، ومما جدير بلفت النظر إليه، ما جاء في هذا المقال أنه ” مشروع القانون المقدم إلى مجلس النواب بخصوص إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر يؤدي إلى توسيع دور هذا الجهاز المملوك للدولة وامتداد سيطرته على الموارد المالية للدولة، من خلال كلٍّ من الصندوق السيادي والصندوق الخدمي المزمع إنشاؤهما. وليس في الإجراءات الأخرى المتخذة بشأن الشركات المملوكة للقوات المسلحة، ما يشير إلى انعقاد النية على إفساح الطريق أمام ملكية أوسع للقطاع الخاص المصري في إدارة شركات لا اعتبارات استراتيجية، تبرر استمرار سيطرة القوات المسلحة عليها، كما أن إسهامها ليس كبيرًا في نمو الناتج المحلي في مصر”.
وهذه مجرد نظرة سطحية أو قراءة فوقية عن هذا القانون، وسوف نتناول ما جاء بنصوصه من خلال كتابات قادمة.






