يشهد الاقتصاد المصري منذ اندلاع الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران واستمرارها، من مشكلات متفاقمة ومتزايدة، في ظل معاناة البلاد من عبء ديون خارجية كبير، وضغوط مالية داخلية كبيرة، وتحديات في التمويل وشروطه.
في غضون اليوم الأول للحرب، علّقت إسرائيل صادرات الغاز إلى مصر، مُعللة ذلك بمخاوف أمنية، تتعلق بحقل ليفياثان في البحر الأبيض المتوسط، وقد تسبب هذا الانقطاع بنقص حاد ومفاجئ بإمدادات مصر، لا سيما أنها تستورد جزءًا كبيرًا من غازها من قطر، التي أوقفت الإنتاج بعد الهجمات الإيرانية.
يؤدي انقطاع الإمدادات لفترة طويلة من هذين المصدرين إلى نقص في الطاقة، ما يضطر الحكومة إلى شراء وقود أغلى ثمنًا من مصادر أخرى، بالإضافة إلى ذلك، دفعت المخاوف من تجدد هجمات الحوثيين على الملاحة البحرية العديد من الشركات؛ لتعليق حركة الملاحة بالبحر الأحمر، ما أثر سلبًا على قناة السويس، ورسوم العبور- وهي مصدر رئيسي للعملة الصعبة، كما أن قطاع السياحة وهو مصدر آخر للدولارات وعامل توظيف رئيسي، معرض للتضرر أيضًا.
ارتباط كبير للاقتصاد المصري بالخارج
يبلغ إجمالي الدين الخارجي لمصر 169 مليار دولار، تعادل حوالي 40% من الناتج المحلي الإجمالي، مع خدمة دين خارجي مستحقة في عام 2026، تعادل 27 مليار دولار.
ووفقًا للإحصائيات الدولية، فإن العجز المتوقع في الحساب الجاري يقدر بحوالي 15 مليار دولار مع احتياطيات دولية 53 مليار دولار، تكفي لتغطية الواردات لمدة خمسة أشهر تقريبًا.
بالنسبة للوضع الداخلي، فإن العجز المالي لعام 2026 يبلغ 1.427 تريليون جنيه (27.2 مليار دولار، أو 6.8% من الناتج المحلي الإجمالي)، بينما يبلغ إجمالي الإنفاق الحكومي 4.396 تريليونات جنيه، ومدفوعات الفوائد 2.3 تريليون جنيه ما يُعادل أكثر من نصف إجمالي الإنفاق الحكومي.
لماذا يـتأثر ميزان المدفوعات؟
يتأثر ميزان المدفوعات بشكل كبير بثلاثة متغيرات هي: أسعار النفط، وعائدات السياحة، وتحويلات المصريين العاملين في الخارج، ويحدد تفاعل هذه المتغيرات في نهاية المطاف مسار عجز الحساب الجاري لمصر، وبالتالي، حاجتها إلى التمويل الخارجي.
في ظل ظروف السوق الحالية، أصبح الوضع الخارجي لمصر أكثر حساسية لأسعار النفط العالميةـ فبينما تعمل السياحة والتحويلات المالية تقليديًا كتدفقات داخلية مُستقرة، فإن حجم صدمة النفط، يهيمن الآن على توقعات ميزان المدفوعات، ففي فترات التوتر الجيو سياسي، حيث تميل أسعار النفط إلى الارتفاع ويتراجع قطاع السياحة، قد تتعاضد وتتكاتف هذه العوامل.
تؤثر أسعار النفط بشكل مباشر على الميزان التجاري لمصر، كونها لا تزال مستوردًا صافيًا لمنتجات الطاقة، وتشير التقديرات إلى أن السعر المتوقع للنفط يبلغ حوالي 108 دولارات للبرميل، مقابل 75 دولارًا للبرميل، تستهدفها الموازنة العامة للدولة، ما يعني زيادة قدرها 33 دولارًا تقريبًا.
كقاعدة عامة، تؤدي كل زيادة قدرها 10 دولارات بأسعار النفط إلى رفع فاتورة استيراد الطاقة لمصر وتفاقم عجز الحساب الجاري بحوالي 2.5 مليار دولار، وبالتالي، فإن الصدمة المتوقعة في أسعار النفط ستؤدي إلى تدهور الميزان التجاري لمصر بحوالي 8 مليارات دولار.
ضغوط علي الجنيه
يواجه الاقتصاد المصري أيضًا ثمن أي تصعيد بالمنطقة سريعاً، خاصة إذا تم استهداف النشاط الاقتصادي لدول الخليج التي تستضيف ملايين العمال المصريين (حوالي 8 ملايين عامل) بلغت تحويلاتهم المالية مستوى قياسيًا، بعدما ارتفعت بنسبة 40.5% لتصل إلى حوالي 41.5 مليار دولار أمريكي عام 2025.
ازداد الضغط على الجنيه؛ نتيجة خروج أكثر من ملياري دولار من الأموال الساخنة، وإعلان العديد من شركات الشحن العالمية تجنب المرور عبر قناة السويس، واللجوء بدلاً من ذلك إلى طريق رأس الرجاء الصالح، وانخفاض الثقة في القيام باستثمارات جديدة- سواءً كانت أجنبية أو محلية- في انتظار نتائج الحرب ومدتها.
توقعات بارتفاع عجز الحساب الجاري
تشير التوقعات، إلى أن عجز الحساب الجاري لمصر سيرتفع من حوالي 15 مليار دولار إلى 24 مليار دولار، ما يؤكد وجود ارتباط بين الوضع الخارجي لمصر وعدم الاستقرار الإقليمي، فالصدمات الصغيرة يُمكن التعامل معها، لكن الصدمات المتزامنة في التحويلات المالية والسياحة وأسعار النفط قد تُؤدي إلى ضغوط هائلة.
لكن يُشير أداء عجز الحساب الجاري أيضًا، إلى أن مصر لا تزال قادرة على إدارة الموازين الخارجية لها، وإن كان ذلك بهامش خطأ محدود، ويبرز هذا الأمر بشكل خاص في ضوء احتياطيات مصر الدولية التي تُقدر بنحو 54 مليار دولار، وخدمة الدين الخارجي المُستحقة عام 2026 والبالغة 27 مليار دولار.
لماذا دعم الاقتصاد المصري مهم؟
تظهر تلك المؤشرات مجتمعةً الضغوط الهيكلية التي تُواجه النظامين المالي والنقدي في مصر، فبينما لا تُعاني البلاد حاليًا من أزمة، إلا أن اعتمادها على استمرار ثقة السوق والتمويل الخارجي يجعلها عُرضةً لتقلبات معنويات المستثمرين.
نظرًا لحجمها، وروابطها المالية، وحساسيتها لأسعار النفط والسياحة وتحويلات المغتربين، تحتل مصر مكانة فريدة في الاقتصاد الإقليمي، فإذا ما ساءت شروط التمويل أو اشتدت الصدمات الخارجية، فقد يُشكل التوتر مؤشرًا مبكرًا على بدء ظهور عدم استقرار مالي أوسع نطاقًا في المنطقة.
تؤكد التقارير الدولية، أن أي اضطراب مالي بمصر، سيتردد صداه ليس فقط بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بل وربما في الأسواق العالمية أيضًا، فالاقتصاد المصري ضخم، وله أهمية نظامية في المنطقة، ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتدفقات المالية العالمية، إضافةً إلى ذلك، بالنسبة للولايات المتحدة على وجه الخصوص، تُمثّل مصر أهمية جيو سياسية كبيرة كشريك لتحقيق الاستقرار في منطقة مضطربة أصلًا.
يذكر التاريخ أن الأزمات المالية نادرًا ما تبقى محصورة، فأزمة البيزو المكسيكي عام 1994 وتخفيض قيمة البات التايلاندي عام 1997، أشعلا فتيل الأزمة المالية الآسيوية، كأحداث محلية متعلقة بالعملة، لكنها سرعان ما امتدت لتشمل الأسواق وفئات الأصول والاقتصادات الوطنية.
بالتالي، ينبغي على صانعي السياسات في الولايات المتحدة ودول أخرى كالخليج تعزيز جهود صندوق النقد الدولي في دعم مصر، من المهم إظهار الثقة في السوق تجاه مصر الآن، قبل أن تتفاقم قوى السوق، وتؤدي إلى نتائج أكثر صعوبة.
ما الحل؟
تبنت الحكومة قرارات لترشيد الطاقة، ورفعت أسعارها، لكن الدكتور رمزي الجرم، الخبير الاقتصادي، يقول إنه لا ينبغي أن تكون قرارات ترشيد الطاقة على حساب تَقلص حجم الإنتاج، خصوصًا أنشطة القطاع الخاص الذي يساهم بأكثر من 78٪ من الناتج المحلي الإجمالي، ويوفر ما يزيد عن 80٪ من الوظائف.
أشار أيضًا إلى الآثار السلبية الوخيمة على قطاع السياحة، إذ أن التكلفة الاقتصادية الناشئة عن ذلك تتجاوز أي وفورات متوقعة، في ظل وجود العديد من البدائل، من بينها: إنارة الشوارع قبل العشاء مباشرةً وتقرير عقوبات رادعة على تَرك إنارة الشوارع نهارًا، وترشيد شديد في الطاقة الكهربائية المستنفذة؛ نتيجة إضاءة الأبراج الشاطيئة على طول الساحل الشمالي بلا أي داعٍ.
وتساءل الجرم حول ضرورة استدعاء آلية سعر الفائدة، لمواجهة التَصخم الحالي والمُحتمل، موضحًا أن ارتفاع مُعدلات التضخم ناتج عن ارتفاع سعر صرف الدولار وارتفاع تكلفة الانتاج وتكلفة السلع المُستوردة المُحملة بمُعدلات التَضخم في دولة المنشأ (تَضَخم تكاليف- صدمة في جانب العرض وليس جانب الطلب) على خلفية الارتفاع غير المسبوق في أسعار النفط والغاز الطبيعي والحبوب الزراعية؛ بسبب تَعطُل سلاسل الإمداد.
وتابع أن التطورات الأخيرة كان من شأنها زيادة الكتلة النقدية بشكل يتجاوز قدرة الجهاز الإنتاجي، والذي يستدعي معه؛ التدخل من خلال قناة سعر الفائدة لسحب الكتلة الزائدة من المعروض النقدي.






