إذا نجحت السياسة في وقف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، فإن المقصود هنا أنها ستوقف النهاية الصفرية التي يتصورها البعض بانتصار أمريكي كامل على إيران وانهيار جيشها واستسلامها غير المشروط، أو صمود إيران واستمرارها في إغلاق مضيق هرمز والاستهداف العشوائي للمصالح الأمريكية في داخل دول الخليج وخارجها وانتقال المعارك من معركة صواريخ دقيقة، يحددها قادة عسكريون وسياسيون إلى انتقام عشوائي، يستبيح الدنيا، ويصيب الاقتصاد العالمي وحركة التجارة وأسعار النفط بأضرار وخسائر فادحة.
يقينا، من مصلحة كل من أمريكا وإيران إيقاف الحرب والقبول بتقدم السياسة والدبلوماسية؛ لأن من يتصور إن ما قاله نتنياهو عن “إبادة” إيران، سيحميه مخطِئ، فمن ناحية هذا التصور مستحيل تحقيقه في الواقع، إنما هو هدف تطرحه تل أبيب؛ لتبرير استمرار الحرب ورفض أي جهود لوقف إطلاق النار، وإذا افترضنا إنه تحقق، فإن نتائجه من ناحية أخرى ستكون أكثر كارثية من الوضع الحالي.
ومن هنا، مطلوب من الوسطاء والدول العربية فصل الخطط الأمريكية عن إسرائيل، فالأُولى رغم رعونة ونزق رئيسها، لكنها تعرف تبعات تفكيك النظام الإيراني أو إسقاطه أو استهداف منشآت الطاقة المدنية (بحسبة المصالح الأمريكية في المنطقة)، أما الثانية فترغب في هدم إيران وإيذاء شعبها وشعوب المنطقة و”إبادتها” بتعبير نتنياهو وحتى لو كانت النتيجة بحور من الفوضى والدماء لكل دول المنطقة.
وقد تضمن المقترح الأمريكي الذي أرسله الباكستانيون إلى إيران ١٥ بندا جاء فيها:
تفكيك القدرات النووية الإيرانية والالتزام بعدم السعي مطلقاً إلى امتلاك أسلحة نووية، كما لن يُسمح بتخصيب اليورانيوم على الأراضي الإيرانية، وتمسكت أمريكا في مقترحها بتسليم المخزون البالغ نحو 450 كيلو جراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفق جدول زمني يتم الاتفاق عليه، وتفكيك المنشآت النووية في نطنز، وأصفهان، وفوردو، كما طالب المقترح الأمريكي بمنح الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التابعة للأمم المتحدة، صلاحية الوصول الكامل والشفافية والرقابة داخل إيران والتخلي عن سياسة الوكلاء في المنطقة ووقف تمويلهم وتسليحهم.
وقد وضعت أمريكا بندين عامين في مقترحها، الأول يتعلق ببقاء مضيق هرمز مفتوحا كممر حر، والثاني يخص الصواريخ البالستية التي لم يتضمن المقترح حرمان إيران منها، كما حدث مع أنشطتها النووية، إنما طالبتها بأن يكون استخدامها مقتصر على الدفاع عن النفس.
وفي مقابل التزام إيران بهذه البنود، سيتم رفع العقوبات التي فرضتها أمريكا والمجتمع الدولي، وأيضا إلغاء آلية “سناب باك” التي تتيح إعادة فرض العقوبات تلقائياً، إذا لم تلتزم طهران بالاتفاق، كما اقترحت أمريكا أن تقدم مساعدة لإيران لتطوير برنامجها النووي المدني.
يقينا ستضطر إيران لتقديم تنازلات كبيرة، وستضطر لقبول كثير من بنود المقترحات الأمريكية من أجل إنهاء هذه الحرب كانعكاس للخسائر التي تعرضت لها بنيتها العسكرية والمدنية، كما ستبدي الولايات المتحدة بعض أو كثير من المرونة لإنهاء هذه الحرب؛ لأسباب تتعلق بالانهيارات المتوقعة في الاقتصاد العالمي وحركة التجارة، بعد أن ارتفع سعر النفط بنحو ٤٠٪ بجانب تهديد مصادر الطاقة العالمية، وفي دول الخليج، وهي كلها تداعيات اقتصادية لن يستطيع رجل الأعمال ترامب تحملها، ولأن الرئيس الأمريكي يحب الصفقة، ويفضل دائما اللقطة والشو وادعاء النصر واستخدام مفردات نتنياهو في التدمير الكامل والإبادة، دون أن يعني ذلك إنه ينوي أو قادر على تنفيذها، فإن إسرائيل لا زالت تتحفظ على الصفقة الحالية والتوصل إلى اتفاق “سريع وغامض؛” لإنهاء الحرب قبل وضع الشروط التفصيلية، كما أكد القادة السياسيون والأمنيون في إسرائيل.
لقد تقدم المسار السياسي خطوة للأمام، أهميتها إنها جاءت نتيجة وعي الطرفين إنه ليس باستطاعة أي منهما تحقيق كامل أهدافه من خلال الحرب، وإن تبعات وضع هدف تفكيك أو تدمير أو إسقاط النظام الإيراني، كما تردد إسرائيل ستكون كارثية على الجميع، بما يعني أن هناك فرصة لتقدم الدبلوماسية، ولو بصعوبة لوقف الحرب، وهذا ما أكدته صحفيتا نيويورك تايمز وول ستريت جورنال، اللتان ذكرتا بصياغات مختلفة، “أن القنوات الدبلوماسية لم تنقطع كلياً، بل تطورت من تبادل الرسائل إلى اتصالات هاتفية مباشرة”، وهو ما جرى بالفعل بين المبعوث الخاص ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، لاستكشاف آفاق خفض التصعيد، ثم تبع ذلك قيام باكستان بإرسال المقترحات الأمريكية للجانب الإيراني، وتواصلت أمريكا مباشرة مع القيادة السياسية والعسكرية في باكستان، وتردد أن هناك اجتماعا سيعقد قريبا في إسلام أباد، يضم مسئولين إيرانيين (جري الحديث عن رئيس البرلمان أو وزير الخارجية) مع نائب الرئيس الأمريكي.
تمسك الجانب الإيراني بموقفه برفض وقف إطلاق نار مؤقت، وقال إنه يسعى إلى اتفاق سلام مستدام، يشمل ضمانات من الولايات المتحدة وإسرائيل بعدم مهاجمتها مجددا، ورفع كل صور العقوبات الاقتصادية عليها، وهو ما دفع أمريكا إلى تقديم مقترحها الشامل بوقف نهائي للحرب من ١٥ نقطة، صحيح، أن طهران ستناقش هذه المقترحات، وستعمل على تحسين شروط بعضها، ولكن من المؤكد إن الطريق الدبلوماسي والسياسي وضع خطواته الأولى على طريق نهاية الحرب وبقبول مبدئي من الطرفين.






