بعد أيام قليلة ستدفع الحكومة بقانون موحد للأحوال الشخصية إلى مجلس النواب، القانون الذي طال انتظاره، ويترقب صدوره الملايين، لا شك سيؤثر كثيرا على منظومة العلاقات بين الأفراد والجماعات في مصر.

المشكلة ليست في تمرير القانون من حيث الشكل، لأن التمرير هنا رغم النقاش المتوقع أن يكون جادا، سينتهي إلى سن القانون، كما سطرت الحكومة أغلب مواده، لأن الحكومة تملك الأغلبية التشريعية في مجلس النواب، من خلال نواب القوائم المطلقة التي ساهم قانون السلطة في إنجاحهم في الانتخابات المعيبة التي جرت منذ عدة أسابيع.

المشكلة الرئيسة هي في تمرير القانون من حيث المضمون، بمعنى مدى القدرة على تفاعل المجتمع معه بشكل إيجابي، بعد أن يسري وتضع الحكومة لائحته التنفيذية.

هل سيتم تلافي مشكلات إيجارات المساكن؟

لا شك، أن هناك عدة أمور من المهم أن تقوم الحكومة بها لضمان سن قانون الأحوال الشخصية بسلام، ودون أيه مشكلات، لا سيما وأن المجلس السابق مباشرة قد سن أحد أهم القوانين المثيرة للجدل حتى اليوم، والذي برزت آثاره اليوم، وهو تعديل قانون إيجارات المساكن والمحلات المؤجرة، والذي بدأت مشكلاته، تفيض بها ردهات المحاكم، ناهيك عن الجرائم التي استشرت؛ نتيجة الخلافات بين المستأجرين والمؤجرين، من هنا، فإن هناك ضرورة للتريث في مناقشات قانون الأحوال الشخصية، لضمان نجاحه، وحتى لا يسفر الأمر، عما أسفر عنه قانون الإيجارات.

مشروع القانون بين الأزهر والكنيسة والشيوخ

واحد من أهم الأمور التي يجب أن يضطلع بها القائمون على مشروع القانون المراد سنه، سواء في السلطة التنفيذية أو السلطة التشريعية هو أن يتم السماع جيدا إلى رأي الأزهر كونه المرجعية الرئيسة في مواد هذا القانون، الذي يُعد من أبرز الأمور التي ترتبط بالعلاقات الاجتماعية، ناهيك عن أن أغلب موضوعاته، إن لم يكن كلها، تخضع خضوعا مباشرة للشريعة الإسلامية، في جوانب كثيرة من القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والفقه.

مقابل ذلك، من المهم أن يؤخذ رأي الكنائس المصرية المختلفة في مسألة الأحوال الشخصية، فالقانون المزمع سيتطرق حتما- حسبما أعلن- إلى أمور تتعلق بتوثيق الخطوبة ومنع تغيير الملة للتهرب من الاستحقاقات الكنسية، وملحق الزواج التعاقدي، والذي يضع شروطا على الطرفين كتلك التي أصبح يتضمنها عقد الزواج الإسلامي، وحالات إنهاء الزواج، ومفهوم الزنا، والزواج المدني.

من ناحية أخرى، من المهم للغاية أن يُؤخذ رأي مجلس الشيوخ في القانون، فمجلس الشيوخ ليس برلمانا، وليس سلطة تشريعية أو غرفة ثانية بحكم نص الدستور المنشِئ له (دستور 2012 المعدل عام 2019)، هنا من المهم التذكير بأن الدستور قد ذكر وفق نص المادة 249 مضافة، أن “يؤخذ رأي مجلس الشيوخ فيما يلي:….- مشروعات القوانين ومشروعات القوانين المكملة للدستور التي تحال إليه من رئيس الجمهورية أو مجلس النواب.. ويبلغ المجلس رأيه في هذه الأمور إلى رئيس الجمهورية ومجلس النواب”.

على هذا الأساس، فإنه يتوجب على أي من رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس النواب، دعما للإفادة من مجلس الشيوخ، باعتباره بيت خبرة مُتميز، أن يقوم بإحالة مشروع قانون الأحوال الشخصية إلى المجلس لمناقشته، للإدلاء بدلوه في مواده.

دور منتظر للحوار المجتمعي

إضافة إلى كل ذلك، يبقى من المفيد، أن تقوم وسائل التنشئة الاجتماعية وعلى رأسها وسائل الإعلام من صحافة عبر التحقيقات الصحفية، وكذلك الفضائيات عبر برامج التوك شو وغيرها، بإجراء سلسلة من الأعمال بغرض مناقشة أهم قضايا مشروع القانون، والمحاذير والإضافات والمحذوفات على مشروع الحكومة المقدم إلى مجلس النواب، وذلك كله بغرض أن يخرج القانون الجديد بعد التعديل بصورة تحقق نوعا من الإجماع الوطني، ولا يتكرر مشهد قانون الإيجارات الذي لم يشهد حوارات مجتمعية بشكل منظم وواسع.

هنا من المهم، أن يشارك في تلك الأمور متخصصون من أساتذة علم الاجتماع التربوي ورجال الدين وأساتذة القانون والحقوقيين وممثلي المجتمع المدني المعني بالأمر، وغيرهم من ذوي المصلحة من كافة الأطراف النوعية والعمرية والدينية.

أبرز القضايا محل التعديل في مشروع القانون

ما من شك، أن القانون الحالي رقم1 لسنة 2000 والذي يضم 79 مادة، والذي سبق أن عدل بالقانون 91 لسنة 2000، وأضيف إليه مجموعة قرارات وزارية، كما أضيف إلى سلة الأحوال الشخصية قانون 10 لسنة 2004 الخاص بمحكمة الأسرة، والقانون رقم 11 في ذات العام والخاص بإنشاء صندوق نظام تأمين الأسرة، كل ذلك سيتم على الأرجح توحيده، ثم تعديل ما يلزم منه، وستكون أبرز التعديلات تتصل بما يلي: –

ترتيب حضانة الطفل: في القانون القديم كانت أولوية الحضانة للأم، ونظرا للظروف المتباينة من أسرة إلى أسرة، وضع القانون 16 احتمالا مرتبا لمن يحق له الحضانة، وكان الأب هو آخرها، هنا يبدو أن المعنيين بوضع المشروع رأوا أن يكون الأب هو الثاني ضمن الـ16 الذين سيرعون الطفل، مع الأخذ في الاعتبار، أخذ رأي الطفل حتى لا يجبر بحكم القانون على السكن مع من لا يرضى عنه.

إلغاء الرؤية وإحلال الاستضافة محلها: لا شك أن الرؤية التي كانت قاصرة على أيام محددة وساعات قصيرة، مثلت واحدة من أعقد المشاكل الناتجة عن وضع الحضانة آنف الذكر. هنا على الأرجح، أن تكون الاستضافة بالمنزل- والإقامة المؤقتة والتي لم يحدد القانون مدتها- ستكون البديل، عوضا عن المهانة الكبيرة التي يتعرض لها من يطلب الرؤية، ناهيك عن المشكلات النفسية التي يتعرض لها الطفل؛ نتيجة ما يحدث خلالها من إبراز الخلافات بين الأب والابن.

توثيق الطلاق: هنا سيتدخل المشرع لتوثيق الطلاق الشفهي، ومحاولة إجبار الزوج على استخراج الأوراق الثبوتية للطلاق، جدير بالذكر، أن الأزهر سبق أن أصدر بيانا منذ عدة سنوات بأن الطلاق الشفهي واقع وملزم، دون شرط توثيقه. ولا شك أن المشروع الحالي سيجبر فقط الزوج على توثيق الطلاق، حتى يعرف كل ذي حق حقه.

حالات طلاق المسيحيين: لا شك أن الخلافات بين الشرائع في تلك الأمور مربكة، ومن ثم تحتاج إلى تنظيم واضح لا لبس فيه، فالمرض العضال المفضي لحتمية الطلاق، والزنا، والإلحاد، كلها أصبحت أمور يعالجها مشروع القانون، لكونها أمور ثبُت على الأرض، أنها مثيرة للخلافات بين الناس.

نفقة الأبناء والمُطلقة: لا شك أن المال هو دوما مصدر خلافات بين الأشخاص غير المتوافقين اجتماعيا ونفسيا، ولذلك ستعالج مواد القانون المعدل كافة الأمور التي ترتبط بنفقة المُطلقة، والأهم بسبب طول مدة الإنفاق نفقة الأبناء، وهي على أي حال أمور محل تقدير القضاء، ما لم يتم التوافق بين المُطلق والمطلقة، وهي بالتأكيد أمور تتناسب من حيث الكم تناسبا طرديا مع قدرات المُطلق المالية.

العضال: عالج مشروع القانون مسألة العضال، وهي منع المرأة رغما عنها من الزواج من قبل وليها أو مُطلقها، وفي هذا الصدد أقر القانون، بأن تكون الدولة هي ولية المرأة محل العضال، حتى لا تنتشر الفتن والرذائل في المجتمع.

صندوق رعاية الأسرة: هنا سيتم توسيع اختصاصات الصندوق الموجود بالفعل والمنشأ بموجب القانون رقم 11لسنة 2004، إذ سيتم من خلال التعديلات ما يضمن للمُطلقة وللأبناء نفقة من قبل والد الطفل، وذلك من خلال إنفاق الدولة عليهم، ومسئولية الأخيرة في الحصول عنوة على تلك المستحقات من المُطلق.

قيود فعلية يجب تذليلها

وهكذا، فإن تعديل قانون الأحوال الشخصية سوف يُعالج قضايا مهمة، ومن ثم، فإن على المعنيين بالأمر عقد حوارات ولجان استماع مكثفة، حتى لا تتزايد الأمور تأزما بعد سن القانون. ما من شك- كما يقول الحقوقي نجاد البرعي- إن أبرز المشاكل الواقعة على الأرض ليست فقط في نصوص القانون، بل في تنفيذ تلك النصوص، حيث تعجز الدولة، أو على الأقل تتأخر كثيرا، في تنفيذ القانون وأحكام القضاء، لا شك أن ما يسبق ذلك هو حتمية أن يكون القضاء عادلا وناجزا، حتى لا تسفر الخلافات، عما يُفضي لتفاقمها، وهو ما سيحتاج أيضا إلى إدخال تعديلات على القانون الساري فوق التعديل الخاص بمحاكم الأسرة رقم 10 لسنة 2004.