بتاريخ 2 مارس وافق مجلس النواب نهائيًا على تعديلات قانون الضريبة على العقارات المبنية، وذلك تعديلًا على أحكام القانون رقم 196 لسنة 2008 بأحكام قانون الضريبة العقارية، وقد استحدث ذلك التعديل التشريعي بعض التعديلات الإجرائية كمنح حافز ضريبي في حالات تقديم الإقرار الضريبي في مواعيده، وكذلك حافز في حالة السداد للمتأخرين، كما زاد حد الإعفاء الضريبي إلى مبلغ مائة ألف جنية للوحدات السكنية، وقد أبقى التعديل الجديد الإعفاء لوحدة سكنية واحدة لكل أسرة، وذلك في حدود ألا تتجاوز قيمة العقار ثمانية ملايين جنيه.

فهل تهدف التعديلات إلى تحقيق تيسيرات لصالح المواطن، فيما هو متعلق بضمانة الحق في السكن، أم أن الهدف من إصدار ذلك القانون، هو مجرد وسيلة لتنمية المصادر المالية للدولة على حساب حق المواطنين في السكن المناسب؟ وهو الحق الذي كفله الدستور المصري بنصه على أن تكفل الدولة للمواطنين الحق في السكن الملائم والآمن والصحي، بما يحفظ الكرامة الإنسانية ويحقق العدالة الاجتماعية، كما أقره العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية في المادة 11 منه بقوله: حق كل شخص في مستوى معيشي كاف له ولأسرته، بما في ذلك المأكل والملبس والمسكن، كما فسرت لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية هذا الحق في التعليق العام رقم 4، مؤكدة أن: الحق في السكن لا يعني مجرد وجود مأوى، بل يتضمن من بين عناصره القانونية والحقوقية القدرة على تحمل تكلفة السكن كأحد أهم العناصر اللازم توافرها تجاه تحقيق هذا الحق الأساسي للمواطنين، وهو الأمر الذي يعني أنه يجب على أي سياسات ضريبية ألا تتوجه نحو إثقال المواطنين بالمزيد من الأعباء التي قد تحول دون ضمانة ذلك الحق في مسماه الأوسع، هذا بخلاف وجوب توافق فرض أي نوع من أنواع الضرائب مع الأساس الدستوري الوارد بنص المادة (38) بتقول إن النظام الضريبي لازم يحقق العدالة الاجتماعية، وإن الضرائب تفرض حسب قدرة المواطن على الدفع، وإنها تكون متدرجة.

وإن كان للضريبة العقارية فائدة في محاولة ضبط السوق العقاري من المغالاة في أسعار الوحدات السكنية، فإن ذلك لا يعني أن يتم إقرارها على نحو لا يتناسب مع مضمون الحق المشمول “الحق في السكن” أو التأثير عليه بطريقة تصعب من الوصول إليه، بما يؤثر على ضمانة الحق ذاته.

كما وأنه لضمان العدالة في تطبيق القانون، فإنه يجب التمييز ما بين المناطق السكنية ذاتها، فلا توضع بشكل كامل في وعاء ضريبي واحد، إذ لا تستوي أسعار الوحدات وقيمتها ما بين الريف والحضر، وكذلك ما بين القطاعات الحضرية أو المدنية ذاتها، حيث تختلف المناطق السكنية، سواء من حيث قيمتها السوقية، أو من حيث قدرة الساكنين فيها أو الملاك، وهو الأمر الذي كان يقتضي المزيد من التفصيل في نصوص القانون، وهو ما كان يتطلب المزيد من التروي والدراسة قبل إصدار التعديل، خصوصًا لتماسه مع أحد أهم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، وهو الحق في السكن، والذي يرتبط به العديد من الحقوق ذات الصلة، كالحق في التعليم، والحق في الغذاء، والحق في الصحة والعلاج، وغيرها من مجموعة الحقوق الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، والتي تشمل صلب حياة المواطن العادي.

وإذا كان أي نظام ضريبي يجب ألا يكون هدفه الرئيسي مجرد تحصيل الأموال لصالح الدولة فقط، بل يجب أن تكون هناك سياسات مدروسة وواعية هادفة إلى تحقيق أهداف اجتماعية وإنسانية واقتصادية مغايرة لسياسات الجباية، حيث يكون الإنسان هو الأصل والأساس، فيما يتم تقنينه من تشريعات، ولا يمكن بحال من الأحوال اعتبار المواطن وحقوقه مجرد وعاء ضريبي لسد فجوات في ميزانية الدولة، أو عجز اقتصادي في موازنتها العمومية، أو إحدى طرق سداد الديون المتراكمة عليها.

ولكن ولكون الحكومة هي المتحكمة في المسار التشريعي بشكل تام، عن طريق تحكمها في الأغلبية النيابية المتحكمة في مسار التصويت داخل مجلس النواب، بخلاف تحكمها كذلك على أغلبية مقاعد مجلس الشيوخ، وهو الأمر الذي يؤثر بشكل منقطع النظير على مستوى القوانين التي ينتجها المجلس التشريعي، حيث غالبيتها تخضع لرغبة وإرادة الحكومة بغض النظر عن احتياجات المواطنين لهذه التشريعات أو غيرها، وهو الأمر الذي يعوق المسار الديمقراطي بشكل عام، وبشكل أخص في مستوى ديمقراطية التشريعات.

وفي الغالب، إنه يتم تمرير مثل هذه التشريعات دونما اية حوارات مجتمعية، أو تداول بين المتخصصين في الأمر، أو حتى عرض بعض الدراسات أو التجارب المماثلة في ذات الأمر، وهو ما يجعل من التشريع الصادر في حالة خصام مع احتياجات الشعب، وهو الأمر الذي يمثل فجوة ما بين الشعب وممثليه في المجلس التشريعي، بخلاف ما يمثله من أعباء اقتصادية على مستوى محدودي الدخل، الذين تعرضوا للمزيد من القرارات أو القوانين التي مست أحوالهم المعيشية بشكل رئيس، وبات غالبية المواطنين في حالة لا تسمح لهم بتحمل المزيد من الأعباء الاقتصادية، لما يؤثره ذلك على مستوى العديد من الحقوق الاجتماعية والاقتصادية أو الثقافية، وهو ما يتمثل في مقدرة المواطنين على متابعة الحق في العلاج أو الغذاء السليم، أو حتى الحق في التعليم.

ومن ناحية مغايرة، فإن تلك هي البدايات التي جاء بها مجلس النواب في ثوبه الأحدث، وكذلك مجلس الشيوخ، وهو ما يعني أن العثرات التي يتعرض لها المواطن على المستوى المعيشي له، يقف خلفها مجلس تشريعي، من المفترض أنه قد جاء عبر صناديق الاقتراع بحسبه ممثلًا للمواطنين الذين يمثلون القاعدة الانتخابية.

وإذا ما عاودنا أدراجنا نحو ذلك التشريع، فإننا ندرك جيدًا، أن هناك أزمات اقتصادية تمر بها الدولة المصرية، وبشكل أخص على مستوى الديون التي تثقل الموازنة العامة للدولة، ولكن ذلك يجب ألا يكون سببا في فرض تشريعات، لا تتناسب مع إماكنية غالبية المواطنين ملاك الوحدات، أو ما يجب ان يكون عليه مستوى التشريع من تمييز ما بين المناطق، بحسب قيمتها الاقتصادية، ولا يمكن أن يكون معيار قيمة الوحدة فقط هو المعيار الأوحد، فلم يزل هناك في القرى ما يمكن أن يطلق عليه بيت العائلة، والذي قد يتكون من العديد من الوحدات، والتي يسكنها العديد من الأسر، لكنها في النهاية تخضع لملكية كبير العائلة، هو ما يخضعها للضريبة المفروضة بهذا القانون، على الرغم من كون الوحدات مقسمة تقسيما داخليا، وهو ما يدعونا أن نتوجه إلى مجلس النواب، بأن يراجع كل ما هو متعلق بتشريعات متعلقة بمستوى معيشة المواطنين، وعدم المساس بالحد الأدنى اللازم لحياة المواطنين.