في الأسبوعين الماضيين، تناولنا عدة أمور لسير الاستحقاق الديمقراطي المصري والعربي، وهي حتمية العمل على إخراج النظم العربية الفاشلة الست من عثرتها (السودان والصومال وليبيا وسوريا وفلسطين واليمن)، وتأسيس أحزاب سياسية؛ كي تخرج المعارضة إلى النور، ودمج الحركات الدينية في الأحزاب السياسية المدنية؛ لتجنب الخوف من هيمنتها على القرار حال تطبيق الاستحقاق الديمقراطي، واستقلال القضاء، وتأسيس مجتمع مدني متمدين، وعقد انتخابات حرة نزيهة، اليوم نختم بأربعة أمور أخرى مهمة، لتأكيد ضرورة تفعيل الاستحقاق الديمقراطي.

تأسيس سلطة تشريعية ومجالس نيابية جادة وحقيقية

بناء على ما سبق من حديث حول ضرورة عقد انتخابات نيابية حرة ونزيهة، وفق نظام انتخابي غير سلطوي، كالذي يجري في مصر، فيما يسمى نظام القائمة المطلقة، وهو تزوير فاضح لإرادة الناخبين، لكونه يحول 49% من أصوات الناخبين لمن أعطى صوته للحزب الذي نال51 % من الأصوات، ما يجعل هذا الحزب يحصد 100% من المقاعد، (بناء على ما سبق) من الأرجح، أن تفضي الانتخابات في الوطن العربي إلى وجود سلطة تشريعية أو مجالس نيابية جادة وحقيقية، سلطة قادرة على أن تكون أحد آليات التداول السلمي للسلطة، وسلطة قادرة على البقاء وسط الأنواء، بمعنى عدم منح خيار حلها كلما يحلو للحاكم أن يفعل ذلك (حل مجلس الأمة بالكويت للمرة الـ13 منذ استقلال البلاد، وحتى المرة الأخيرة في مايو 2024)، وذلك عبر صلاحيات معنوية ومادية على أرض الواقع وليس فقط عبر المسطور في الدستور والقوانين، صلاحيات مادية على أساس أن تلك السلطة ستكون أداة للتجنيد السياسي في النخبة في البلد العربي المعني، وكونها وسيلة لدعم الشرعية، وكذلك أحد آليات المشاركة في صنع القرار في النظام السياسي، ما يجعل الآليات الأخرى للتداول المتسمة بالعنف والأشكال غير الطبيعية للتداول بعيدة، بل ومستهجنة، من قبل المعارضة السياسية- في البلد العربي المعني- قبل الأغلبية الحاكمة.

صلاحيات برلمانية قوية

أما الصلاحيات المادية فترجع إلى الممارسات التي يتحتم أن يُقرها الدستور والقانون في البلد العربي المخاطب بالتغيير الديمقراطي، هذه الممارسات تتعلق بإمكان البرلمان تعديل أو تغيير دستور البلاد بحرية ودون أية قيود، إقرار الموازنات العامة للدولة هو إجراء مهم للغاية، وذلك بعد مناقشات تحتمل التعديل والتغيير، والإضافة من باب إلى آخر ضمن أبواب الموازنة، مناقشة الحسابات الختامية أيضا عقب انتهاء كل عام مالي، يُعد من الأمور المتعارف عليها في برلمانات البلدان المتمدينة والعريقة ديمقراطيا، إضافة إلى ذلك، فإن هناك آلية التشريع القائمة ليس فقط على الدور السلبي النابع من مناقشة مشروعات القوانين التي تدفع بها حكومات الأغلبية إلى البرلمان في مصر، وفي أي بلد عربي، بما يتيح لتلك البرلمانات التعديل والإضافة والحذف من تلك المشروعات، بل وأيضا إتاحة الفرصة لقيام البرلمان باقتراح القوانين، بما يشكل دورا إيجابيا فاعلا في عملية التشريع التي تكون نابعة على الأرجح من احتياجات المجتمع الخالصة أو تنظيم علاقة الأخير بالدولة.

ضمن الصلاحيات المادية المعتبرة، والتي لا غنى عنها في البرلمانات المزمع تأسيسها وفق الاستحقاقات الديمقراطي المطلوبة عبر آليات التحول المرجو، الرقابة البرلمانية، فالرقابة البرلمانية، لها أدوات مهمة جرى العمل بها في الديمقراطيات العتيقة، من تلك الآليات ما هو قائم في الكونجرس الأمريكي (نظام رئاسي)، حيث يتم تقييد الحكومات من خلال ما يسمى بالرقابة القبلية Oversight، وذلك عبر التحكم في الموازنة العامة فقط، من تلك الآليات أيضا الرقابة البعدية Control، كما هو الحال في مجلس العموم البريطاني (نظام برلماني)، وذلك عبر آليات الأسئلة، وطلبات الإحاطة، ولجان تقصي الحقائق، ولجان الاستطلاع والمواجهة، والاستجوابات، وسحب الثقة.. إلخ. كل ذلك من الوجوه الإيجابية التي تضمن للمجتمع المحاسبة والرقابة على السلطة التنفيذية.

الإعلام الحر

كما أن تكميم الأفواه يعد سمة النظم الأوتوقراطية، فإن حرية الكلمة والرأي والرأي الأخر يُعد بالمقابل أحد أبرز روزنامة التحول الديمقراطي، بعبارة أخرى، إن الإعلام الحر والنزيه، هو أحد أهم آليات حرية الكلمة وحق التعبير.

آليات كثيرة لهذا الحق منها، ما هو تقليدي مثل الصحافة والتلفزيون والفنون كالمسرح والسينما، ومنها ما هو رقمي أو افتراضي، ويرتبط بمواقع التواصل الاجتماعي والتقدم النتي والمواقع الإلكترونية وغيرها.

وجود تنظيمات قانونية ومواثيق شرف ومدونات سلوك، تدير تلك الأمور، على النهج القائم في الديمقراطيات العتيقة، هو كذلك أحد أهم وسائل التحول الديمقراطي في مصر والوطن العربي، لكون الإعلام منفسا للناس، ووسيلة للمحاسبة، وآلية معتبرة لكشف الفساد، ومنع الاستبداد بالرأي. بعبارة أخرى، فإن الإعلام الحر والنزيه يقضي بالكلية على المقولة الفرعونية “لا أُريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد”.

وجود أطر حمائية لأصحاب الرأي المخالف، وتقنين وسائل الرد، ومنع التعقيب على الرأي بالسجن أو الحبس، وإقرار غرامات مادية حال وجود غبن بحق المخاطبين عبر الإعلام، ووفقا لأحكام قضاء مدني نزيه ومستقل، كل ذلك يُعد من أسس التحول الديمقراطي المرجو مصريا وعربيا عبر الإعلام الحر النزيه.

تنمية المؤسسة التعليمية في مصر والوطن العربي

التعليم هو أحد أهم وسائل التنشئة السياسية في العصر الحالي، فإلى جانب الأسرة ووسائل الإعلام ودور العبادة، تعتبر المؤسسات التعليمية سواء المدرسية أو الجامعية واحدة من أبرز وسائل تربية النشء والأجيال حديثة السن، التعليم بإيجاز هو عبارة عن ستة أركان: طالب ومدرس ومبنى ومنهج وإدارة وتقويم، أبرز الأركان المعني بالديمقراطية هو المنهج، فمن خلال المنهج تتم عملية التنشئة، وهي عملية طويلة الأجل، تختلف جملة وتفصيلا عن غرس القيم، التنشئة أفكار تُسفر عن عملية كبيرة من النقاش والجدل وتبادل الرؤى، خاصة في كل ما هو اجتماعي وغير علمي، أما غرس القيم فهي عملية جبر وتلقين وأوامر وإملاء التعليمات، عملية التنشئة تتم عادة في النظم الديمقراطية العتيقة، بينما غرس القيم يتم في البلدان ذات التوجهات السياسية الاشتراكية عامة، والماركسية خاصة.

في مصر والعالم العربي يحتاج التحول الديمقراطي إلى جعل التعليم وسيلة للتنشئة الاجتماعية، في كل ما هو خارج نطاق العلم، وذلك للوصول إلى قيم التسامح، والمواطنة، وتبادل الرأي والرأي الآخر، وحرية الاختيار، وحرية الاعتقاد، وحرية الفكر، وحق المشاركة والمساهمة في العمل العام.

مشكلات كثيرة ربما تحيط بالأفكار السابقة، على رأسها مناهج التعليم في البلدان العربية، والتي يتحتم أن تُكرِس تلك المبادئ في المواد المدرسية والجامعية، والمعنية بأصول التربية واللغة العربية والثقافة الدينية المعتمدة على تجديد الخطاب الديني والفلسفة والمنطق وعلم النفس والسياسة والإدارة والتجارة والقانون.

ما من شك، أن كل هذه الأمور تحتاج إلى سلامة النوايا من قبل الدولة والمجتمع معا، حتى يتشكل جيل جديد يؤمن بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وهو أمر ربما يحتاج لبضعة سنوات، حتى يؤتي أُكله، لكن لا غضاضة في البدء من اليوم وانتظار الحصاد بعد أعوام قليلة.

العدالة الاجتماعية

العدل الاجتماعي هو الكفة الثانية الموازية للعدل السياسي، وهو الجزء المكلف ماديا في المعادلة الليبرالية، التي تتسم بالعمل غير المكلف ماديا نسبيا، كثيرة هي الأحاديث التي سيِقت عن أولوية العدل الاجتماعي عن العدل السياسي، وأن الأول يُغني عن الثاني، لكن ما من شك، أن الأمرين متكاملان ومتوازيان، وهو ما يتحتم القيام به في مصر وفي كل قطر عربي، يسعى لتحقيق التحول الديمقراطي بنجاح، أحد الكتاب- ياشا مونك في كتاب الشعب مقابل الديمقراطية- يحذر من أن سبب تفكك النظام الديمقراطي هو بطء النمو الاقتصادي وطغيان التفاوت الاجتماعي وغيرها من أمور، لذلك من المهم تحقيق العدالة الاجتماعية للذود عن الاستحقاق الديمقراطي.

سياسات دعم الطبقات الأكثر احتياجا، والتقشف الحكومي، والضرائب التصاعدية، والحد من البطالة، والالتزام بوضع حدين أدنى وأقصى للأجور لدعم المساواة، والسياسات التكافلية، وحِزم المشروعات الاجتماعية والإعانات والإعالات لرفع كاهل الغلاء عن المنتمين للطبقتين الدنيا والوسطى، خاصة فيما يتعلق بأسعار السلع والخدمات، خاصة التعليم والصحة، والقضاء على المحسوبية والمحاباة وكافة أشكال الفساد، وتكافؤ الفرص بين الكافة.. إلخ. كلها أمور مهمة تهدف إلى إحداث تحول ديمقراطي جاد ومصون في الأقطار العربية.

كل ما سبق من حِزم سياسية واجتماعية، هي من أبسط قواعد عمل الاستحقاق الديمقراطي، فهل تستجيب الدول في مصر والوطن العربي لتلك الاستحقاقات، حتى تستطيع السير في ركب التقدم، ومواجهة الأعداء في الخارج.. عسانا نفعل.