يشير تطور مسار العمليات العسكرية في السودان منذ يناير الماضي، إلى أن الصراع لم يعد مجرد مواجهات ميدانية تقليدية، بل دخل مرحلة إعادة تشكيل استراتيجية شاملة، تتغير فيها أدوات الحرب وأهدافها الجغرافية. في بدايات هذه المرحلة، اعتمدت ميليشيات الدعم السريع والحركة الشعبية على نموذج واضح، يقوم على “الحصار كأداة حرب”، من خلال تطويق المدن والحاميات العسكرية وتجويع السكان وفرض النزوح القسري، كما حدث في مدينة الدلنج ومحاولات تطويق مدن الأُبيض بشمال كردفان وبابنوسة بغرب كردفان وكادقلي بجنوب كردفان ضمن خطة متزامنة؛ تهدف إلى إسقاط إقليم كردفان تدريجياً عبر إنهاك مراكزه الحيوية.
غير أن نجاح الجيش السوداني في فك الحصار عن الدلنج بعد أكثر من عام، واستعادة مدن استراتيجية في جنوب كردفان، وصد محاولات إسقاط حامية الأبيض، لم يكن مجرد إنجاز ميداني، بل مثّل ضربة مباشرة لنموذج الحصار ذاته، إذ أظهر محدوديته في تحقيق حسم سريع، وكشف هشاشته أمام عمليات فك الحصار والهجمات المضادة على خطوط الإمداد. إلا أن عودة الميليشيا إلى قصف مستشفى الدلنج لاحقًا، تكشف أن استهداف البنية الصحية لم يكن عرضياً، بل جزءا من استراتيجية مستمرة لإضعاف القدرة المدنية على الصمود حتى بعد فشل الحصار العسكري.
هذا الفشل النسبي، دفع الميليشيات إلى التحول من نموذج “السيطرة عبر الخنق” إلى نموذج “السيطرة عبر الحركة”، أي الانتقال من تثبيت الحصار إلى التوسع السريع متعدد المحاور، وهو تحول لا يمكن فصله عن ضغط الجيش على مراكز الإمداد في دارفور وكردفان، ولا عن الدور الإقليمي الذي ساهم في تقليص خطوط الإمداد التقليدية عبر ليبيا وتشاد والصومال. هذا الضغط المركب أجبر الميليشيا على إعادة بناء منظومتها اللوجستية بالكامل، وليس مجرد تعديل مساراتها.

في هذا السياق، برزت إثيوبيا كحلقة مركزية في الاستراتيجية الجديدة، ليس فقط كبديل جغرافي، بل كبيئة عملياتية، توفر مزايا نوعية، تشمل العمق الجغرافي الذي يُصعِّب الاستهداف، وتشابك الحدود الذي يسمح بالحركة المرنة، إضافة إلى تعقيدات الوضع الداخلي الإثيوبي الذي يخلق هامشاً للتحرك غير المباشر، إنشاء قاعدة أسوسا يعكس هذا التحول، حيث تحولت من نقطة دعم إلى مركز ثقل لوجستي وعملياتي، مدعوما بامتدادات عبر أوغندا وجنوب السودان، في شبكة إمداد متعددة الطبقات.
لكن هذا الدور الإثيوبي لا يمكن فصله عن الضغوط التي تواجهها أديس أبابا، فهي تتحرك ضمن بيئة إقليمية معقدة، تتقاطع فيها ملفات الحدود، وسد النهضة، والتنافس على النفوذ في القرن الإفريقي، إلى جانب تحديات داخلية في أقاليمها المختلفة، خاصة بني شنقول المتاخم لولاية النيل الأزرق، في هذا الإطار، قد يكون السماح بهذا النشاط أو التغاضي عنه جزءاً من إدارة توازنات إقليمية، إلا أن ذلك يضع إثيوبيا أمام مخاطر متزايدة، أبرزها احتمال تحول أراضيها إلى ساحة اشتباك مباشر، إذ تشير مصادر إلى تدخل عسكري لصد هجوم للجيش السوداني داخل الحدود الإثيوبية، وهو ما يمثل انزلاقاً من “الدعم غير المباشر” إلى “الاحتكاك المباشر”.
وقد انعكس هذا التحول بوضوح في مسرح العمليات في النيل الأزرق، حيث لم يعد التوغل مجرد تحرك حدودي، بل جزءا من خطة أوسع لتأمين الإقليم كقاعدة انطلاق، السيطرة على الكرمك تمثل في هذا السياق نقطة ارتكاز استراتيجية، كونها بوابة حدودية تربط بين السودان وإثيوبيا، وتفتح المجال للتمدد نحو باو والدمازين، وهما مركزان حيويان في الولاية، والهجوم على منطقة مقجة، الواقعة على هذا المحور، يكشف بوضوح عن هذا الاتجاه، إذ لم يكن هدفه السيطرة الموضعية فقط، بل قطع الطريق نحو باو وتهيئة الأرضية للتقدم نحو الدمازين، وقد أدى ذلك إلى اجتياح المنطقة وحدوث نزوح جماعي لأهالي دندرو ضمن موجة نزوح أوسع في النيل الأزرق، قُدرت بنحو 70 ألف شخص.


ورغم تنفيذ غارات جوية على تحركات الميليشيا في مقجة، فإن استمرار الزحف يشير إلى اختلال في ميزان السيطرة الميدانية في هذا المحور، خاصة مع تزايد التعزيزات القادمة عبر الحدود الإثيوبية، ما يعكس فعالية شبكة الإمداد الجديدة، وسعي الميليشيا للوصول إلى باو ومن ثم الدمازين، بالتوازي مع ذلك، تستمر الميليشيا في تنفيذ استراتيجية الضغط متعدد الاتجاهات، حيث تتحرك في كردفان لإعادة خلق بيئة حصار جديدة ولكن بشكل أكثر مرونة، من خلال السيطرة على بارا، والتوغل في دبيكر قرب أبو جبيهة، والإعلان عن السيطرة على جبل أبو سنون، بما يشير إلى محاولة بناء طوق جغرافي حول مراكز الجيش.
كما أن الهجوم على كوستي بطائرة مسيّرة، يمثل تطوراً نوعياً، إذ ينقل الحرب إلى عمق جديد ويهدد مراكز لوجستية وحيوية خارج نطاق الاشتباك التقليدي، في حين يعكس استهداف المستشفيات، كما في الدلنج والرهد، نمطاً ممنهجاً يهدف إلى تقويض البنية المدنية وتقليل قدرة المجتمعات على الصمود.


يكشف هذا المشهد عن تحول مزدوج في طبيعة الصراع، من حيث الأدوات والجغرافيا، حيث انتقلت الميليشيا من نموذج “الحصار” إلى نموذج “الانتشار المرتكز على الإمداد العابر للحدود”، بينما يحاول الجيش احتواء هذا التحول عبر استهداف خطوط الإمداد، إلا أن العامل الحاسم لم يعد داخلياً فقط، بل مرتبطا بشكل متزايد بتوازنات إقليمية، خاصة دور إثيوبيا التي تجد نفسها بين إغراءات جاذبة ومخاطر الانخراط.
وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن تصور عدة مسارات محتملة لتطور الصراع في المرحلة المقبلة. قد تنجح اليمليشيا في تثبيت توسعها شرقاً، إذا استمر تدفق الإمدادات عبر الحدود، ما يمنحها عمقاً استراتيجياً جديداً، ويعيد توزيع مركز الثقل الجغرافي للصراع، في المقابل، قد يتمكن الجيش من احتواء هذا التمدد، إذا نجح في ضرب خطوط الإمداد وقطع مسار أسوسا، وهو ما قد يحوّل مكاسب الميليشيات إلى عبء ميداني، كما يظل احتمال التصعيد الإقليمي قائماً في حال تطور الاحتكاكات الحدودية مع إثيوبيا إلى مواجهات محدودة، وهو سيناريو يزيد من تعقيد المشهد، ويفتح المجال لتدخلات أوسع، أما في حال استمرار القتال دون حسم، فقد يتجه الصراع نحو مزيد من السيولة والتفكك مع توسع رقعة النزاع وتزايد الانتهاكات.
وبين هذه السيناريوهات، يبرز اتجاه مرجّح يتمثل في تداخل مسار التوسع الميداني شرقاً مع تصاعد تدريجي للمخاطر الإقليمية، ما يجعل النيل الأزرق مرشحاً؛ ليكون نقطة ارتكاز ليس فقط في الصراع الداخلي، بل في إعادة تشكيل توازنات أوسع على مستوى الإقليم.






