كانت السياسة الأمريكية نحو الصراع العربي الإسرائيلي تاريخيا، ترتكز على فكرة دمج الدولة اليهودية في الإقليم من خلال السلام والتعاون، تحت مسمى التطبيع، وذلك كهدف نهائي، ولا مانع في سبيل تحقيق ذلك الهدف من عدة جولات حربية، تهزم فيها الأطراف العربية، وهو ما اقتضى حتما إبقاء إسرائيل عسكريا بمسافة كبيرة على كل جيرانها العرب مجتمعين.

ولغرض التذكير، أو التأصيل البحثي، نشير هنا إلى أهم المشروعات التي طرحت؛ لتحقيق ذلك الهدف منذ بداية الصراع، وهو مشروع جوزيف جونسون لحل مشكلة اللاجئين بعد حرب ١٩٤٨، توطئة للسلام الشامل، ومشروع روبرت ميرفي للتعاون في مشروعات المياه والكهرباء، ومراسلات الرئيس جون كنيدي مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر، ثم مشروعات كامب ديفيد، ومؤتمر مدريد، وأخيرا مرحلة ما سمى بالسوق الشرق أوسطية، وبعدها الشرق الأوسط الجديد، فالشرق الأوسط الكبير، فالشرق الأوسط الموسع.
لكن هذه السياسة المرتكزة على دمج إسرائيل في الاقليم، طرأ عليها تحول شديد العدائية والخطورة، وشديد الاستهتار أو عدم المبالاة بشعوب المنطقة، فلم يعد الدمج هو الهدف، وإنما تفرد إسرائيل بمكانة القوة الإقليمية الأولى بلا منافسة، التي تقود الإقليم، وتهيمن على مقدراته، من خلال مشروع إسرائيل الكبرى.

هذا التحول أحدثه الرئيس دونالد ترامب، خاصة بعد اعادة انتخابه في اواخر عام ٢٠٢٤ ٠

ففي رئاسته الأولى، اعترف ترامب بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل، ونقل إليها السفارة الأمريكية، كما اعترف بالسيادة الاسرائيلية على مرتفعات الجولان السورية المحتلة، وانسحب من الاتفاق النووي الدولي مع إيران، تماشيا مع الرؤية الاسرائيلية، أما في فترته الرئاسة الحالية، فقد حبذ علنا مشروع التوسع الجغرافي لإسرائيل، ثم شارك في الحرب الاسرائيلية الأولى على إيران في يونيو الماضي، وشارك في الحرب الحالية، وتولى إدارتها سياسيا منذ لحظتها الأولى، وكما نعلم فإن العقيدة الاستراتيجية المعلنة لليمين الحاكم في إسرائيل، هي أنها حرب من أجل تغيير الشرق الأوسط بتعبير رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، أو تفكيك الإقليم وإعادة بنائه بتعبير بتسئيل سموتريتش وزير المالية، بمعنى القضاء على جميع مصادر التهديد أو التحدي والمقاومة، أو حتى الممانعة، سواء من داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، أو من أي مكان في الإقليم على امتداده، من باكستان إلى المغرب، وفقا لنطاق نظرية الأمن الإسرائيلي، ثم إعادة ترتيب أوضاعه السياسية والاقتصادية والأمنية، وعلاقاته الداخلية في بناء جديد تقوده إسرائيل، وتضع جدول أعماله وأولوياته، فما هي معالم ذلك البناء الجديد؟ وما علاقة الجغرافيا السعودية تحديدا بهذه الخطط أو الأهداف؟

سواء كان المسمى هو الاتفاقات الإبراهيمية، أو الشرق الأوسط الجديد، أو ممر التنمية أو غير ذلك من المسميات، فإن مشروع إسرائيل الكبرى يقوم على دعامتين هما: أولا ضم الضفة الغربية وغزة بعد ترحيل ما يكفي من الفلسطينيين لإبطال مفعول القنبلة الديموجرافية، وتفادي تقنين العنصرية، ثم الضم التدريجي لأراض من جميع الدول المجاورة، بما في ذلك أراض سعودية، وثانيا إقامة مشروعات اقتصادية كبرى مع دول الخليج، وفي المشرق العربي.

مثلا في مؤتمره الصحفي الأخير، تحدث بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل عن مشكلة مضيق هرمز الذي يمر من خلاله خمس أو ربع التجارة الدولية في النفط والغاز والبتروكيماويات، فاقترح إقامة خطوط أنابيب وسكك حديدية؛ لنقل هذه الموارد الخليجية للتصدير عبر المواني الإسرائيلية، وهذا لن يتحقق إلا بالمرور من الأراضي السعودية، بل إن أطول مسافات تلك الخطوط المقترحة هي التي ستمر عبر المملكة، وبالطبع، فان مشروع ممر التنمية المقترح بين الولايات المتحدة والهند؛ لمنافسة مشروع الصين المسمى بالحزام والطريق، يفترض المرور من الخليج عبر السعودية، ولهذا، فإن الجغرافيا السعودية هي العقدة، وهي الحل في كل تلك الخطط، أو هي الجائزة الكبرى، حسب التعبير الذي صكه المحافظون الأمريكيون الجدد في ادارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن، والذي يعد السلف المباشر لترامب كرئيس منتم للحزب الجمهوري، بل ومنتم للجناح الأكثر رجعية في ذلك الحزب، وقد صك المحافظون الجدد ذلك التعبير في سياق التمهيد لغزو العراق كمقدمة لتغيير المنطقة، وفق رؤية اليمين الصهيوني، التي لم تكن تجرؤ وقتها على ذكر مشروع إسرائيل الكبرى، ومن ثم يمكن القول بثقة كاملة، إن مستقبل الإقليم كله سيتقرر وفق ما تختاره السعودية، أو ما ستفعله المملكة بهذه الجغرافيا، مضافا إليها بطبيعة الحال بقية الأرصدة السعودية السياسية والاقتصادية والجيوبولتيكيا الضخمة جدا، أي المكانة الرمزية العظمى في العالم الإسلامي، والمكانة الكبرى في الخليج وشبه الجزيرة العربية عموما، و الطرف العربي الأقوى تأثيرا حاليا في سوريا ولبنان والعراق، فضلا عن الموارد المالية والنفطية الهائلة، جنبا إلى جنب مع سوق استهلاكية كبيرة، لا تزال قابلة لمشروعات تنموية ضخمة في مختلف أنحائها الشاسعة.

أي طريق سوف تختاره القيادة السعودية؟

هل تبقى الجائزة الكبرى عربية إسلامية؟ أم يحصل عليها حلف ترامب نتنياهو الذاهب حتما إلى مستودع المخلفات الإمبريالية العنصرية، ولو بعد حين؟

لسان الحال أي المؤشرات الفعلية، ولسان المقال أي الأحاديث الصادرة عن حكماء المملكة تقول إنها ترفض بشدة وحزم مشروع إسرائيل الكبرى، كما ترفض في هدوء تقليدي توقحات دونالد ترامب، وهلوسات رجاله الدينية والسياسية، حتى وإن ارتأى السعوديون مثلهم مثل كل الخليجيين مصلحة أمنية وسياسية في إضعاف إيران؛ جراء الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها، إذ يبقى إضعاف إيران شيء، وقبول هيمنة إسرائيلية على المنطقة شيء آخر، لا طاقة لأحد به، لأنه كما سبق لي القول في مناسبة أخرى بمثابة استبدال للطاعون الإسرائيلي الذي لا يبقي ولا يذر، بالصداع الإيراني المزمن القابل للعلاج والتسكين، بل والشفاء الكامل منه.