أثار قرار وزير العدل رقم 869 لسنة 2026، الخاص بحرمان من صدر ضدهم حكم نهائي في دعاوى النفقات من بعض الخدمات الحكومية إلى حين سداد ما عليهم، نقاشًا قانونيًا مهمًا حول حدود سلطة الإدارة في ابتكار وسائل لتنفيذ الأحكام القضائية، ومدى توافق هذه الوسائل مع مبدأ المشروعية وسيادة القانون. ذلك كون ذلك القرار قد تضمن تعليق استفادة المحكوم عليهم بأحكام واجبة النفاذ في قضايا النفقة من بعض الخدمات الحكومية، سيساهم في حسم تلك القضايا وصون حقوق الزوجات والمطلقات والأبناء.

وقد شمل ذلك القرار الحرمان من إصدار أو تجديد بطاقة الخدمات المتكاملة للأشخاص ذوي الإعاقة، وتعليق خدمات كارت الفلاح، وصرف الأسمدة الزراعية، إضافة إلى خدمات تسجيل الحصر الزراعي، وكذلك وقف إصدار أو تجديد رخصة مزاولة مهنة التخليص الجمركي، وتعليق خدمات تركيب عدادات الكهرباء الجديدة، وتصريح الحفر الخاصة بمد كابلات الكهرباء وتغيير اسم المشترك بعقد الكهرباء، وأيضًا وقف إصدار البطاقات التموينية الجديدة، واستخراج بدل فاقد أو تالف أو إضافة خدمات ضم المواليد الجديدة للبطاقات التموينية، وغيرها من الخدمات الحكومية.

ويقوم القرار على فكرة قانونية دقيقة مفادها، أن الحكم الصادر بالإدانة وفق المادة 293 من قانون العقوبات يترتب عليه أثر إداري مباشر، يتمثل في تعليق استفادة المحكوم عليه من طائفة من الخدمات العامة إلى حين وفائه بدين النفقة أو تقديم شهادة براءة ذمة صادرة من بنك ناصر الاجتماعي، تفيد بسداد المديونية. ويكتسب بنك ناصر في هذا السياق دوراً محورياً بوصفه الجهة التي أناط بها المشرع– بموجب القوانين المنظمة لصندوق نظام تأمين الأسرة– مهمة متابعة تحصيل النفقات وتنفيذ الأحكام الصادرة بها.

ومن ناحية طبيعة ذلك القرار، فهل يمثل جزاء جنائيا جديدا فوق ما يتحمله النص الأساسي الوارد بقانون العقوبات؟ أم أنه يندرج تحت ما يسمى باستخدام إحدى وسائل التنفيذ الإداري غير المباشر للأحكام القضائية، بما يعني أنه يمثل مجرد آلية تنظيمية، تضمن حسن تنفيذ نص المادة 293 عقوبات عن طريق تعليق بعض الخدمات العامة ضد المحكوم عليهم، حتى يتم تنفيذ الالتزام الرئيسي المتمثل في سداد دين النفقة.

أم أن الحكومة قد أعياها تنفيذ أحكام النفقات عن طريق بنك ناصر الاجتماعي، فلجأت إلى سبيل من سبل التضييق، حتى تضمن سداد المستحقات المتراكمة على المحكوم عليهم بنفقات مختلفة، حتى لا تتحمل مشقة اللجوء إلى القضاء للمطالبة بهذه المديونيات. إذ لا خلاف، أن أحكام النفقات تمثل أحد أهم الأحكام القضائية ذات الطبيعة الاجتماعية، إذ تتعلق مباشرة بحقوق أساسية للزوجة أو الأبناء، بل قد تمس في كثير من الأحيان الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة. وقد عانت منظومة تنفيذ هذه الأحكام لفترة طويلة من صعوبات عملية، أبرزها تهرب بعض المحكوم عليهم من التنفيذ، الأمر الذي دفع المشرع إلى إدخال آليات متعددة لضمان التنفيذ، من بينها الحبس وفقًا لأحكام قوانين الأحوال الشخصية، والحجز على الأموال، وغير ذلك من وسائل التنفيذ الجبري.

وحيث أن الأصل في النظام القانوني أن الجزاءات والقيود التي تمس حقوق الأفراد، يجب أن تستند إلى نص تشريعي صادر عن السلطة التشريعية. ويعد ذلك من تطبيقات مبدأ المشروعية، الذي يقتضي خضوع الإدارة للقانون وعدم تجاوزها حدوده. فإذا كان المشرع قد نظم وسائل تنفيذ أحكام النفقة وحددها في قوانين الأحوال الشخصية وقانون الإجراءات، فإن إضافة وسيلة جديدة للتنفيذ أو الضغط على المدين بالنفقة قد يثير شبهة تجاوز القرار الإداري للحدود التي رسمها القانون، حتى وإن كان النص العقابي قد وردت به الألفاظ أو العبارات التي تجيز إصدار قرار من الوزير بذلك، إلا أنه يجب أن تكون هناك حدود فاصلة وواقفة للتوسع في استخدام الآليات الإدارية، بما يضمن ألا تكون عقوبة إضافية فوق المقضي بها، كما قد يثور التساؤل حول طبيعة الخدمات التي يشملها القرار. فإذا كانت خدمات أساسية أو لازمة لممارسة حقوق مدنية أو اقتصادية، فإن حرمان الشخص منها قد يثير إشكاليات دستورية، تتعلق بالحق في المرافق العامة ومبدأ المساواة في الانتفاع بها، وكذلك فقد أثار ذلك القرار مسألة التناسب بين الهدف والوسيلة. فالهدف المعلن للقرار، وهو ضمان تنفيذ أحكام النفقة وحماية حقوق أصحابها، هدف مشروع بلا شك. غير أن الوسيلة المستخدمة يجب أن تكون متفقة مع الإطار القانوني القائم، وألا تمس الحقوق أو المراكز القانونية للأفراد بغير سند تشريعي واضح.

فإذا كانت القاعدة الدستورية المستقرة تقضي بأن الأصل في الدولة القانونية أن تكون العقوبات محددة بنص تشريعي صادر عن السلطة التشريعية، تطبيقًا لمبدأ الشرعية الجنائية الذي يقوم على قاعدة “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص”. ومن ثم، فإن أي إجراء ينطوي على حرمان المواطن من حقوق أو مزايا عامة، يجب أن يستند إلى أساس قانوني صريح، يجيزه ويحدد نطاقه، حتى ولو كانت الغاية من القرار هي حماية حقوق مستحقي النفقة وضمان عدم إفلات المدين بها من التنفيذ، أو كانت حماية أموال الدولة المتمثلة، فيما يدفعه بنك ناصر الاجتماعي لمستحقي النفقات، وضمان سدادها، لكن تحقيق هذه الغاية ينبغي أن يتم في إطار من احترام مبدأ المشروعية وسيادة القانون، بما يحافظ على التوازن بين فعالية تنفيذ الأحكام القضائية وضمانات الحقوق والحريات.

وبعيدا عن كل ذلك الحديث القانوني، فهناك إشكالية موضوعية من الناحية الحياتية للمواطنين الذين سيكونون في حالة تماس أو تصادم مع ذلك القرار، إذ أن معظم المفردات الواردة بهذا القرار تتضمن الحرمان بشكل أو بآخر من ممارسة المهن التي قد تجلب المال اللازم لسداد تلك المديونيات، أو تسمح ببقاء المحكوم عليه في حالة من حالات الرواج الاقتصادي التي تسمح له بسداد ما هو ستحق عليه من ديون، أو حتى ممارسة حياته الطبيعية وممارسة عمله، وهو ما يشكل تصادما مع الحرمان من العمل بوصفه حق دستوري، وكذلك بوصف ذلك الحق أهم مفرد في حياة المواطنين الاقتصادية، بما يمثل إعدام فعلي أو عملي أو وظيفي للمشمولين بهذا القرار، فهل من الممكن أن تُعاد دراسة ذلك القرار، بما يضمن حسن الأداء الوظيفي لكلا الفريقين المحكوم لهم بدين نفقة، والدولة ممثلة في بنك ناصر الاجتماعي، وكذلك من الناحية الثانية المحكوم عليهم بدين النفقة، فلا يصح أن نمنعهم من ممارسة أعمالهم التي سَتُدِر المال اللازم لسداد تلك المديونيات.