أتساءل في داخلي قبل الشروع في كتابة هذا المقال، هل المواد المشعة أخطر أم المواد المخدرة؟ ووجدتني بعد زحام من التفكير، أميل إلى أن المواد المشعة أكثر خطورة على الإنسان مئات المرات من المواد المخدرة، وكانت أول مراتب الخطورة من وجهة نظري غير المتخصصة في الفيزياء، تكمن في كون المواد المشعة ضررها يتعدى الفرد إلى المجموع، فقد تفتك بمجمع سكني كامل أو بمنطقة سكنية كبيرة، بخلاف تأثير المواد المشعة على البيئة ذاتها. ومن هذا المنطلق، فهل يجوز فعليًا للدولة أن تقنن التصالح في قضايا المواد المشعة أو المرتبطة بها، فإن كان ذلك يجوز، فلماذا لا تقنن التصالح في قضايا تعاطي المواد المخدرة، التي هي أقل فتكًا بالإنسان.

فقد صدر القانون رقم 7 لسنة 2010 بإصدار قانون تنظيم الأنشطة النووية والإشعاعية، والذي تم تعديله بموجب القانون رقم 11 لسنة 2017، وبحسب نصوص القانون فإنه يهدف إلى وضع إطار قانوني، ينظم كافة الأنشطة النووية والإشعاعية داخل جمهورية مصر العربية، وبما يضمن أمان وحماية الإنسان والممتلكات والبيئة من المخاطر الإشعاعية، فكيف يستقيم ذلك الهدف المنصوص عليه في المادة الأولى من نصوص القانون، مع ما يتم تداوله من تعديلات حظيت بالموافقة المبدئية من مجلس النواب خلال الأيام الماضية، وبشكل أخص المادة 110 من هذا القانون، والتي تجيز وفق ما تم تداوله التصالح في بعض مخالفات هذا القانون، وهي بشكل أكثر تحديدًا الواردة بالمواد أرقام 105، 106، 107، 108.

وتجرم المادة 105 والتي أجيز التصالح فيها مخالفة أحكام المادة 57 من هذا القانون، وهي المعنية بتنظيم تصاريح المرور البري أو البحري أو الجوي من خلال الحدود المصرية للنفايات المشعة أو وسائل النقل التي تحملها. كما تجرم المادة 106 مخالفة أحكام المادة 25 من هذا القانون، وهو النص الخاص بحظر ممارسة أي نشاط نووي أو إشعاعي بدون ترخيص، والمادة ٢٦ فقرة ١ الخاصة بحظر تشغيل منشأة نووية، إلا بواسطة أفراد مؤهلين حاصلين علي ترخيص، والمادة ٤٩ الخاصة بحظر تشغيل أي نشاط متعلق بالمواد والخامات التي يصدر عنها إشعاعات مؤينة، مثل الاستخراج والنقل والاستكشاف بدون تصريح والمادة ٥٣ الخاصة بحظر تفكيك منشأة للتعدين أو للمعالجة بدون موافقة الهيئة والمادة ٦٢ الخاصة بحظر تداول أو جلب أو حيازة أو إنتاج مواد نووية أو مصادر إشعاعية بدون تصريح، والعقوبة هنا من خمس سنين لسبع سنين سجن وغرامة بين ٢٠ ألف ومائة ألف جنيه. ثم يأتي نص المادة 107، وهي المادة التي تعاقب من يخالف أحكام نص المادة ١٠ الخاصة بحظر استيراد أو جلب أو إنتاج أو تصدير أو بيع أي مواد غذائية أو مخصصة للاستعمال الآدمي أو غير الآدمي، يتجاوز مستواها الإشعاعي الحد المسموح به، وفقا للحدود والمعايير المقررة قانونا والمادة ٥٥ الخاصة بحظر استيراد أو تصدير أو نقل أي مواد مشعة بغير موافقة الهيئة، والعقوبة هنا السجن مدة لا تجاوز ٥ سنوات وغرامة من ١٠٠ لـ٤٠٠ ألف جنيه. ويجرم نص المادة 108 مخالفة أحكام 31، 35، 41، 47، 50، وهي مواد معنية بالإبلاغ عن فقد وسرقة أي شحنة تحوي مواد مشعة، أو منع مفتشي الهيئة من ممارسة مهم وظيفتهم، أو مخالفة أحكام نظام الأمن النووي للمنشآت الخاضعة لأحكام القانون، أو الحصول على تصريح بالتصرف في الوقود النووي، والإلزام بحيازة سجلات وبيانات التصميم والإنشاء لمشروعات التعدين والمعالجة وبيانات تقدير جرعات الإشعاع والتعرض الداخلي للمواد المشعة للأفراد، والإلزام بالإبلاغ عن حوادث التسرب الإشعاعي، وغير ذلك فيما ورد في نصوص أخرى.

والسؤال الأساسي كيف يمكننا التصالح في مثل هذه النوعية من الجرائم، التي قد تسبب أضرارًا بالغة، تفتك بمجتمع بأسره، فيكفينا فقط نص المادة 107، وما ورد ضمن ما ورد فيها من إدخال مواد غذائية أو منتجات ملوثة إشعاعيًا بالمخالفة للحدود المسموح بها، أو خالف شروط أو ضوابط الأمان النووي والإشعاعي المقررة قانونًا. هل هناك مبرر لتقنين مثل هذا التشريع؟ وأيًا كانت قيمة المبلغ الذي سيتم سداده في مقابل التصالح في هذه النوعية ذات الخطر العام، هل يعادل ذلك المقابل ما يمثله من ضرر في الصحة العامة أو السلامة المجتمعية العامة؟ وهل يتوافق مع الأضرار البيئية التي قد يسببها؟ كما أن له أثر بالغ الخطورة بشكل مباشر على الغذاء، أليست كل هذه المفردات قد أوردها الدستور المصري وكفلها بحمايته؟ أليست تلك الحقوق التي يهدرها التصالح قد أقرتها الاتفاقيات والمواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان؟ أم أن كل هذه الأبعاد النظرية لم تكن محل تقدير من المصوتين بالموافقة على هذا المشروع، ألم يدرك واضع النص المقترح، وفي الأغلب سيكون الدولة، أن هذا التصالح يرتب أثرًا أكبر من المبالغ المحصلة من التصالح على خزانة الدولة، فبعد أن تنقضي الدعوى بمجرد سداد المبلغ المنصوص عليه من المتهم، ينتهي دوره، ويبقى أثره الذي تتحمله الحكومة متمثلًا في تبعات أي تسريب إشعاعي أو نووي على صحة المواطنين، بما يزيد عدد المرضى ويحمل خزانة الدولة أضعاف المبلغ الذي تحصلت عليه، علاوة على كونه قد يضعف الصحة العامة لأجيال كاملة، هذا بخلاف أن النص على الصياغة المطروحة حاليًا يتعارض أو يكاد أن يهدم فكرة الوقاية المسبقة الواردة بقانون البيئة، وهو ما يعني منع الخطر قبل ثبوت الضرر، هذا إضافة إلى أن التلوث الإشعاعي ينتقل من خلال الهواء أو الماء أو التربة، وهو الضرر الذي لا يمكن تقويمه ماليًا بشكل وقتي.

وهل فكر أحد من مروجي هذا القانون أو من المصوتين له عن أثر تناول غذاء ملوث إشعاعيًا، وهو الأثر الذي قد لا يبدو ملاحظًا بشكل وقتي مع التصالح عن الجريمة، بل قد يمتد أثره إلى سنوات بعد التصالح .

ونؤكد على القول، بأن منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأغذية والزراعة تؤكدان على ضرورة منع دخول الغذاء الملوث للأسواق، وعلى وجوب تطبيق رقابة صارمة لا تقبل التساهل.

كل هذه الأنواع من الخطورة السابق سردها، لم تكن كافية لوقف تمرير مثل هذا المشروع في مجلس النواب، والذي للأسف قد وافق عليه بشكل مبدئي، وكأنه يقنن لهلاك المصريين في مقابل حتى لم يُحسن تقديره، لأن أثره ممتد المفعول، والمتحصل من الغرامة بشكل وقتي لن يوقف استمرار نزيف الضرر من التسرب الإشعاعي أو النووي.

وليس أمامنا سوى مناشدة أخيرة بعدم التصويت على هذا التعديل الذي يجر الوبال على الشعب المصري، ونأمل أن يتم مناقشة الأمر بشكل عاجل على المنصات الإعلامية لتوضيح الخطورة المتحصلة من تمرير مثل هذا القانون.

ولله الأمر