باتت إثيوبيا عمليًا، منذ اضطلاع حزب الازدهار بقيادة رئيس الوزراء الحالي آبي أحمد بمقاليد كافة أمور الحكومة الفيدرالية ومهامها، “دولة الحزب الواحد”.
ويرى مراقبون في الانتخابات المقبلة (مطلع يونيو) اختبارًا حقيقيًا لمستقبل البلاد ومآلات سياسات حكومة آبي أحمد الداخلية بعد هيمنة منفردة على مقاليد الحكم منذ ثمانية أعوام كاملة (إبريل 2018).
كما أن نتائجها ستكون مؤشرًا مهمًاــ بغض النظر عن مراوغة نظام آبي أحمد المعهودةــ على سياسات إثيوبيا في عدد من الملفات الإقليمية، وعلى وقع ما قد تتمخض عنه الحرب الأمريكية- الإسرائيلية الراهنة على إيران، وهي في بؤرة رهانات أديس أبابا؛ أملًا في تحقيق توسعات إقليمية غير مسبوقة على حساب جيرانها الأضعف حالًا، وربما في صورة مثال نموذجي متكرر في القرن الإفريقي.
لن تؤثر
إلا أن الصورة الغالبة المتوقعة لدى جمهرة المتابعين والمراقبين والخبراء في الشأن الإثيوبي أن الانتخابات الإثيوبية ستعقد في أجواء متناقضة في حقيقة الأمر، لكنها قد لا تؤثر على ترتيبات حزب الازدهار لهذه الانتخابات، والسعي لمواصلة الاستئثار بالسلطة في البلاد دون معارضة سياسية تذكر، ورغم تصاعد العنف وتدهور الأوضاع داخل أقاليم إثيوبيا المختلفة على خلفيات عدة. وهنا في هذا التقرير عرض لحيثيات هذا التوقع المعروف سلفا لدى المواطنين كما هو لدى الخبراء والمراقبين
الواقع والوعود
تأتي انتخابات يونيو المقبل بعد خمسة أعوام لبرلمان إثيوبي “مشوه” من جهة سلامة تمثيله وديمقراطيته؛ إذ لا تزال إثيوبيا تعاني من تبعات حرب التيجراي (التي انتهت رسميًا في العام 2022).
ولا يزال الإقليم في مأزق سياسي هش بعد انقسام جبهة تحرير التيجراي الشعبية إلى فصائل عدة، فيما لم يجدد بعد الترخيص للحزب السياسي الذي شكلته الجبهة (ما يعني عمليًا تجميد مشاركته في الانتخابات).
كما أن اتفاق السلام الموقع بين قيادة الإقليم والحكومة الفيدرالية لإنهاء الحرب، ما زال عالقًا في عقبات شتى، وسط تأخر- غير مبرر ربما- في عودة المشردين داخليًا إلى قراهم ومدنهم، مما عمق عدم الثقة بين المجتمعات المحلية والمؤسسات الفيدرالية، مع عجز الأخيرة عن تحقيق ما تعهدت به الحكومة في أديس أبابا من إصلاح البنية التحية المدمرة في الإقليم، الأمر الذي يلقي ظلالًا على مصير الإقليم في مرحلة ما بعد الانتخابات.
كما تبدو الأمور بالغة التوتر راهنًا في إقليم الأمهرة، ثاني أكبر الأقاليم الإثيوبية من ناحية عدد السكان بعد إقليم أوروميا، منذ إبريل 2023 مع تزايد نشاط ميليشيا فانو FANO، لا سيما وسط التجمعات الريفية، لدرجة يرى فيها المراقبون (ديسمبر 2025) صعوبة واضحة في عقد الانتخابات في الإقليم بالأساس.
وفي دلالة على صعوبة هذا الوضع في إقليم الأمهرة، أصدرت فانو في 6 إبريل الجاري بيانًا، تحذر فيه الأحزاب السياسية والقادة الدينيين والمنظمات الأهلية والمؤسسات الإعلامية “من المشاركة في الانتخابات المقبلة”.
ووصفت حركة فانو هذه العملية الانتخابية “بالعجز عن معالجة المشكلات السياسية والأمنية الهيكلية” في إثيوبيا، حسب بيان الحركة.
كما أكد البيان أن أية جهة ستدعم الانتخابات ستعد بين “أعداء الشعب مثل الحكومة تمامًا”، الأمر الذي يكشف مدى عمق الأزمة الأمنية والتوتر السياسي في البلاد.
وفيما يناقض هذا الواقع، وعد رئيس الوزراء آبي أحمد مواطنيه، بأن الانتخابات العامة الإثيوبية (في دورتها السابعة) ستكون حرة وديمقراطية الطابع؛ الأمر الذي عده مراقبون إثيوبيون (6 إبريل الجاري)، ليس كافيًا في حد ذاته كضمانة في ضوء عقود من التجربة التي رسخت عدم الثقة في وعود القائمين في السلطة في أديس أبابا إزاء شفايفة الانتخابات ونزاهتها بشكل عام.
عدم الثقة يرجع إلى اعتماد الانتخابات بالأساس، على ما يتم دون “مستوى القمة” المعلن، مع ملاحظة أن أعدادًا كبيرة من المرشحين هم بالأساس رجال إدارة وسلطة في الأقاليم الإثيوبية المختلفة، ولديهم حضور طاغ في “الشبكات الحزبية الفاعلة، وفي السيطرة على أبنية الدولة ومواردها” تحت مظلة حزب الازدهار الحاكم.
إلا أن ثمة أمر وأن كان إيجابيا إلا أنه يظل إجرائيا، فالمستجد نوعًا ما في الانتخابات الحالية، والتي انتهت عملية تسجيل الناخبين بها في 8 إبريل الجاري بالفعل، يتمثل في تصاعد أعدادهم بشكل ملفت منذ العام 2018، مع وجود خيارات رقمية ومشاركة فعلية بالحضور. كما تم تسجيل المرشحين عبر برامج حوسبة جديدة، وتقدم المناظرات الانتخابية العامة المذاعة عبر التلفزيون للمواطنين “فرصة نادرة للاستماع للأحزاب المشاركة ووجهات نظرها وتحدي بعضها البعض”، وهو تطور هام في الحالة الإثيوبية، التي كانت تعاني لسنوات من عدم قدرة الدولة على تقديم إحصاءات دقيقة عن سكانها وإثنياتها قبيل كل انتخابات سابقة.
إقليم تيجراي: نار تحت الرماد
إثيوبيا التي تروج صورتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بالتركيز على ممرات مخصصة للدراجات في العاصمة أديس أبابا وأحيائها الفارهة، وتنامي ما تصفه الحكومة بممر التنمية الإثيوبي (وسط القرن الإفريقي)، تواجه وضعًا أمنيًا وسياسيًا بالغ الصعوبة، وعلى سبيل المثال، كما رصد مراقبون محليون (7 إبريل)، فإن دولًا مثل الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة أعلنت أن أكثر من 90% من مساحة إثيوبيا “غير آمنة لمواطنيها (الأجانب)، وأنها بالغة الخطورة”.
كما تقوم جماعات مسلحة بقتل عشرات المدنيين عقب انسحاب القوات الحكومية الفيدرالية من مواقع متنوعة، فيما باتت الطرق العامة ساحة لعمليات ترويع يومية، وتقوم مسيرات تابعة للحكومة بقصف يومي لمواقع داخل إقليم الأمهرة، “حيث يواجه تسعة ملايين نسمة خطر التشريد المباشر” من أراضيهم. كما تسود ملاحظة إحكام حزب الازدهار سيطرته على البلاد عبر دعاية رقمية “لتصنيع حالة الرضا فيما يسود الغضب وسط أبناء البلاد”، من أجل تمرير الانتخابات العامة المقبلة التي ستؤدي حتمًا إلى تقوية الحكم الاستبدادي وتعميق الاستقطاب الإثني، وربما تثير موجات جديدة من العنف.
وإلى جانب هذه الصورة الكلية، فإن الأوضاع في مختلف أقاليم البلاد لا توفر استثناءات هامة تذكر، وعلى سبيل المثال لا تبدو الأمور في إقليم التيجراي مواتية لانتخابات هادئة مطلع يونيو المقبل، فإلى جانب عدم تجديد الحكومة المركزية تراخيص عمل حزب جبهة التيجراي الشعبية، ما يعني عمليًا حرمان الحزب الذي يمثل الكتلة الانتخابية الأكبر في الإقليم من خوض الانتخابات.
بادرت الجبهة (8 إبريل الجاري) بنشر خطاب بالغ الخطوة عبر موقع أديس ستاندارد الإثيوبي الشهير، دعت فيه إلى حركة احتجاج على امتداد الأراضي الإثيوبية في 8 مايو المقبل بالنظر إلى ما وصفه الخطاب “بغياب الظروف المهيئة لانتخابات ذات مصداقية في إثيوبيا”، كما أكد الحزب في الخطاب، أن المظاهرات المقررة ستتم في مدن رئيسة عدة، بما فيها أديس أبابا ومقلي وبحردار وقندر وهاواسا وأداما وأمبو وغيرها، ودعا الخطاب الإثيوبيين “إلى المشاركة” فيما وصفه الحزب بجهد سلمي للمطالبة بإصلاحات سياسية.
قطاع واسع من الناخبين في تيجراي لن يمكنه المشاركة من الأساس؛ فقد صنفت هيئة الانتخابات الوطنية العديد من الدوائر الانتخابية في الإقليم، على أنها “مرتفعة الخطورة” مما يعني صعوبة تحقيق انتخابات جادة فيها.
يضاف إلى ذلك الحظر المفروض على الحزب السياسي المهيمن في الإقليم (حزب جبهة تحرير التيجراي الشعبية) وعدم قدرة الحكومة الفيدرالية على حل مشكلات حدود الإقليم مع إريتريا؛ الأمر الذي يعني في المحصلة تركز عملية التصويت في المراكز الحضرية التي تهيمن عليها الحكومة بالفعل، فيما يتم حرمان ملايين المواطنين بشكل منهجي من حقوقهم السياسية. الأمر الذي يكشف عن نيران محتدمة تحت رماد حرب التيجراي الأخيرة.
الاستعدادات على قدم وساق
أطلقت السلطات الإثيوبية المعنية بالانتخابات عملية تسجيل الناخبين في 7 مارس الماضي، وأكملت علمها في 8 إبريل الجاري، وجمعت عملية التسجيل بين الطرق الرقمية واليدوية “من أجل الوصول لقطاع أكبر من السكان”.
ووفقًا للأرقام الرسمية، فإن عدد الناخبين المسجلين وصل إلى 36.9 مليون ناخب، منهم 20.1 مليونا من الرجال، و16.8 مليونا من النساء، من إجمالي عدد سكان إثيوبيا البالغ 136 مليون نسمة في العام 2026، ما يعني أن الناخبين لا يمثلون سوى 27% فقط من عدد السكان، وهي نسبة من أدنى النسب المسجلة عالميًا (ويبرز ذلك عند مقارنتها بمصر مثلًا التي سجل 53.5 مليون مواطن أنفسهم في قوائم الناخبين في انتخاباتها في العام 2025 بنسبة 46.1% تقريبًا).
وفيما يرى مراقبون أن انتخابات 1 يونيو الإثيوبية، التي يصفها حزب الازدهار الإثيوبي الحاكم بالأكثر تنظيمًا في تاريخ البلاد، ستمثل اختبارًا للفيدرالية التي تواجه مشكلات بنيوية؛ كما أنها ستشكل بشكل واضح تركيب مجلس نواب الشعب المقبل، غير أنها ستمثل في النهاية اختبارًا لقدرة المعارضة على الحشد ضد نظام آبي أحمد.
تعزيز للسلطة القائمة
وعلى سبيل المثال، فإن المؤتمر الفيدرالي للأورومو Oromo Federalist Congress وحركة “مواطنين إثيوبيين من أجل العدالة الاجتماعية” Ethiopian Citizens for Social Justice يرون أنه بدون إقدام حكومة آبي أحمد على إصلاحات حقيقية وتوسيع المجال العام، فإن الانتخابات لن تكون سوى تعزيزًا لأبنية السلطة القائمة، ورأى مراقبون (9 إبريل الجاري) أن الانتخابات المقبلة لا تمثل اختيارًا لقيادة سياسية بقدر ما أنها استفتاء على صمود نظام البلاد الإثني الفيدرالي وسط حالة استقطاب بالغة العمق.
وثمة إجماع شبه كامل، وبالغ المنطقية، على أن نموذج إثيوبيا الانتخابي يمثل أهمية “للحكم الديمقراطي الإفريقي” African democratic governance من جهة ما يمثله من إشكالية لدى (أغلب) نظم الحكم في إفريقيا، والتي تواجهها طوال عقود؛ ألا وهي كيف يمكن لمثل هذه النظم (الاستبدادية بأقنعة ديمقراطية) الحفاظ على شرعيتها الدولية والوصول لتمويلات التنمية المختلفة، فيما تقوم تلك النظم بالفعل بالقضاء على أية منافسة سياسية محلية ذات مغزى.
يتفادى النموذج الإثيوبي الكثير من محفزات الإدانة الدولية له (مثل وجود انقلابات عسكرية، أو تعديلات دستورية لتمديد حدود فترات الحكم، وتفادي تدخل الاتحاد الإفريقي وفق إطار الاستجابة للتغيرات غير الدستورية في الحكومة.
لكن واقع الحال يشير إلى تمكن نظام آبي أحمد من فرض سياساته الداخلية، مهما كانت درجة استبدادها وقمعها، فيما يحافظ النظام على علاقات جيدة مع مؤسسات التمويل الدولية وكبرى دول العالم بغض النظر عن الخلافات الثانوية التي قد تنشأ من وقت لآخر بين هذه الأطراف.
وهكذا، فإن الانتخابات الإثيوبية ستعقد في أجواء متناقضة في حقيقة الأمر، لكنها قد لا تؤثر على ترتيبات حزب الازدهار لهذه الانتخابات، والسعي لمواصلة الاستئثار بالسلطة في البلاد دون معارضة سياسية تذكر، ورغم تصاعد العنف داخل أقاليم إثيوبيا المختلفة على خلفيات عدة.
مصر والانتخابات الإثيوبية: دورة جديدة من الاستفزاز
نجح نظام آبي أحمد في إثارة حفيظة القاهرة في أكثر من ملف، وعند أكثر من اختبار إقليمي.
وفي حال تحقق النتائج المتوقعة بفوز حزب الازدهار الحاكم بهذه الانتخابات، فإن القاهرة ستكون على موعد مع مزيد من التحديات الإثيوبية، ربما على النحو التالي:
- تصعيد متجدد في ملف إدارة سد النهضة وتشغيله، مع قدرة نظام آبي أحمد على تجاوز أية قواعد أو وساطات إقليمية ودولية عبر أدوات، باتت معروفة مثل إثارة حديث المظلومية السياسية، وتصدير الأزمات المحلية في بعض دول الجوار، وربما الدعوة لمفاوضات “جديدة” دون أي أفق سياسي أو قانوني ملزم.
- فتح جبهة المواجهة في جمهورية الصومال الفيدرالية، وتوقع اصطفاف إثيوبيا القوي وغير المشروط (وربما المحفز في المقام الأول) خلف التحالف الذي تتبدى قسماته واضحة: الولايات المتحدة وإسرائيل والإمارات (وربما الهند في مرحلة تالية أو مستوى تخادمي أعمق).
- ربما يعمد نظام آبي أحمد إلى وضع مزيد من العقبات أمام انخراط مصر القوى في جهود دعم استقرار الصومال واستقلاله سياسيًا وعسكريًا وتنمويًا.
- تصعيد التدخل الإثيوبي في السودان عسكريًا وسياسيًا لمستويات جديدة في الفترة المقبلة، الأمر الذي سيفرض تكاليف مرهقة على الدبلوماسية المصرية التي تسعى لتحقيق استقرار السودان وسيادته.
- السعي لتفكيك ترتيبات الأمن القائمة في البحر الأحمر لصالح دور إثيوبي، وربما كبحت الهدنة الحالية بين الولايات المتحدة (وإسرائيل) وإيران جموح أديس أبابا في انتهاز الأزمة؛ لتحقيق وصول “سيادي” على البحر الأحمر، لكن لا يتوقع أن تتراجع جهود آبي أحمد وحكومته في هذا المضمار في الفترة المقبلة؛ الأمر الذي يثير دائمًا قلق القاهرة ورؤيتها لأمن البحر الأحمر.






