مرة أخرى يدخل مشروع قانون الإدارة المحلية إلى ثلاجة السلطة. منذ العام 2016 لا زال مشروع قانون الإدارة المحلية يراوح مكانه. كثير من مواد الدستور يتم خرقها، وتقوم الحكومة بهذا الخرق، ربما بشكل أكبر بكثير من المجتمع والمواطنين والمؤسسات غير الرسمية. المادة 242 من الدستور هي واحدة من تلك المواد، وتقول: “يستمر العمل بنظام الإدارة المحلية القائم، إلى أن يتم تطبيق النظام المنصوص عليه في الدستور بالتدريج خلال خمس سنوات من تاريخ نفاذه، ودون إخلال بأحكام المادة (180) من هذا الدستور”.
أسباب تأخير صدور القانون
هناك أسباب لتأخير صدور قانون المحليات، وهنا يمكن رصد سببين، قيل إن أحدها أو كلاهما شكلا سببا لتأخير صدور هذا القانون: –
السبب الأول: أن قانون المحليات إذا ما صدر اليوم، فحتما سيتطرق إلى انتخابات المجالس الشعبية المحلية وتأسيس مجالس منتخبة في المحافظات والمدن والمراكز والقرى والأحياء، والوضع الحالي ونظرا لاختراق جماعة الإخوان المسلمين عديد القواعد الشعبية، ومن ثم بروز قوتهم على المستوى المحلي، فإن جماعة الإخوان، ربما تستطيع أن تخرق الحظر الأمني المفروض عليها، وتنجح في مشاركة أعضائها من الصفين الثالث والرابع غير معلومين للسلطة في عملية الترشيح، ونتيجة ذلك قد تحصد الجماعة آلاف المقاعد في المجالس المحلية التي يتجاوز عددها على مستوى الجمهورية 50 ألف مقعد.
وواقع الأمر أن تلك الحجة إن صح ذكرها، فإنها تُعد فرية كبيرة، فالجماعة لم يعد لها قوة على الأرض بعد سلسلة الضربات التي تلقتها على يد السلطة منذ حركة 30 يونيو و3 يوليو 2013، كما أن شعبية الجماعة تأثرت بشدة نتيجة تبنيها نهج العنف، ونتيجة الإعلام الموجه من قبل السلطة، والذي أسفر عن المزيد من كراهية الناس للجماعة.
السبب الثاني: أن صدور قانون المحليات اليوم سيفضي إلى دعم اللا مركزية، في وقت تهيمن فيه السلطة في مصر تقليديا وتاريخيا على كل أركان الإدارة المحلية منذ قرون طويلة، إلى الحد الذي عرفت فيه مصر، بأنها واحدة من أعتى النظم السياسية مركزية في العالم. جدير بالذكر أن دستور البلاد يؤكد في المادة 177 “تكفل الدولة دعم اللا مركزية والمالية والاقتصادية، وينظم القانون وسائل تمكين الوحدات الإدارية من توافر المرافق والنهوض بها، وحسن إدارتها، ويحدد البرنامج الزمني لنقل السلطة والموازنات إلى وحدات الإدارة المحلية”. وكذلك المادة 178 تنص على “يكون للوحدات المحلية موازنات مالية مستقلة….” والمادة 181 “قرارات المجلس المحلي الصادرة في حدود اختصاصه نهائية، ولا يجوز تدخل السلطة التنفيذية فيها….”. والمادة 182 “يضع كل مجلس محلي موازنته، وحسابه الختامي….”.
هكذا يتبين أن الدستور المصري الحالي كان تقدميا وأكثر رقيا من الدساتير السابقة، إذ أقر بما يشبه الحكم المحلي وليس الإدارة المحلية، ومن ثم، فإن الحجة التي تُساق بالخشية من اللا مركزية، إن صحت، تصبح حجة غير دستورية. ولا تتنافى مع الاستحقاق الديمقراطي الدولي الداعي إلى دعم اللا مركزية، باعتبارها أحد أعمدة النظم الديمقراطية والمتمدينة.
لا نية لوجود مجالس محلية رغم أن السلطة مُجبرة قانونا عليها
وواقع الأمر أن السلطة في مصر قد تأخرت كثيرا منذ حل المجالس المحلية عام 2011 في وجود مجالس بديلة. هنا من المهم- ولإثبات هذا الخرق المعيب والذي سيجعل الناس لا تمانع هي الأخرى في خرق قوانين البلاد ما دام أن السلطة تخرقها- التأكيد على ثلاثة أمور: –
الأمر الأول: أن قانون الإدارة المحلية (المعمول به حاليا) رقم 43 لسنة 1979 ينص في المادة 146 منه على “يُشكل في القرار الصادر بحل المجلس الشعبي المحلي مجلس مؤقت بناء على اقتراح المحافظ المختص، ويجب أن يضم تشكيله عددا كافيا من قيادات التنظيمات المحلية. ويتولى المجلس المؤقت مباشرة اختصاصات المنحل.. وتُعرض القرارات التي يحددها المجلس المؤقت على المجلس الجديد في أول جلسة يعقدها بعد تشكيله لاتخاذ ما يراه..”.
الأمر الثاني: عندما حُلت المجالس المحلية بحكم القضاء الدستوري في 3 فبراير 1996 صدر القانون رقم 84 لسنة 1996، ويقول في المادة 2 منه: “تُحل المجالس الشعبية القائمة وتتولى لجان مؤقتة، تضم جميع الأعضاء السابقين للجان الدائمة الشعبية المحلية المنحلة تسيير الأمور الضرورية.. لحين تشكيل المجالس المنتخبة..”. هذا القانون يؤكد على سابقة مهمة، وهي أنه لا يمكن لنظام الحكم أن يستمر دون وجود مجالس محلية، سواء منتخبة أو معينة.
الأمر الثالث: قرار المجلس الأعلى للقوات المسلحة عقب حركة 25 يناير 2011، حيث أصدر المشير محمد حسين طنطاوي بصفته رئيسا للمجلس القرار بقانون رقم 116 لسنة 2011 في 4 سبتمبر 2011 تقول مادته الأولى: “تُحل المجالس الشعبية المحلية في المحافظات وغيرها من وحدات الإدارة المحلية المشكلة بموجب قانون الإدارة المحلية الصادر بالقانون رقم 43 لسنة 1979 ولائحته التنفيذية”. المادة الثانية “تُشكل بقرار يصدر من مجلس الوزراء مجالس شعبية محلية مؤقتة في المحافظات، بحيث تضم في تشكيلها عددا كافيا من أعضاء الهيئات القضائية السابقين ومن أعضاء هيئة التدريس بالجامعات ومن الشخصيات العامة ومن القيادات المجتمعية الأهلية وممثلا عن الشباب وآخر عن المرأة، وذلك كله بناء على عرض من وزير التنمية المحلية والمحافظين..”. المادة الرابعة “يستمر المجلس الشعبي المحلي المؤقت المُشكل وفقا لهذا القانون لمدة سنة أو انتخاب مجالس شعبية محلية جديدة أيهما أقرب”.
هكذا يتبين أن هناك خرقا فاضحا للقانون، لعدم وجود مجالس معينة بشكل مؤقت، حتى يتم انتخاب المجالس المحلية وفق القانون المرتقب. ما سبق من خرق يجعل نية وجود مجالس شعبية محلية من حيث المبدأ ولو مُعينة، غير موجودة أو غائبة.
لماذا فشل البرلمان اليوم في قراءة مشروع القانون؟
خلال الأيام القليلة الماضية وردت الأنباء من البرلمان، تفيد أن المجلس لم يستطع أن يقوم بقراءة قانون الإدارة المحلية، وأنه أعاد المشروع إلى الحكومة مرة أخرى، ما يجعل الإخفاق هو سيد الموقف، ويُعيد إلى الأذهان السنوات الماضية التي عجز فيها القانون عن المرور من شرنقة الحكومة.
لقد عقدت 80 جلسة للجنة الإدارة المحلية في مجلس النواب، وذلك لمناقشة مشروع قانون الحكومة ومشروعات القوانين التي قدمها النواب، وذلك منذ أن عدل دستور 2012 عام 2014، وعقب تشكيل مجلس النواب عام 2016 مباشرة. لكن الفشل كان هو نصيب كافة المحاولات السابقة. وقد رفضت لجنة الإدارة المحلية صراحة مشروع القانون، وذلك عقب مناقشته مرة أخرى عام 2026. حيث وافق المجتمعون باللجنة المشتركة المشكلة من لجنة الإدارة المحلية ولجنة الشئون الدستورية والتشريعية ولجنة الموازنة على تشكيل لجنة فرعية للمراجعة، تعالج القصور الموجود في مواد مشروع القانون.
كثيرة هي الحجج التي ساقها نواب البرلمان عن عدم دستورية مشروع القانون، وكذلك وجود لغط حول الدور الرقابي للمجالس المحلية، ومسألة تقديم الخدمات للمواطنين، وضمانات تحقيق اللا مركزية والتوازن مع وحدة الدولة، وتدريب الكوادر البشرية لإدارة العمل المحلي، وتفرغ أعضاء المجالس الشعبية ومكافآتهم، خاصة من زاوية توافر الموارد المالية، ناهيك عن تقاطع مشروع القانون مع قوانين المجتمعات العمرانية، ومسألة البناء الموحد، ومباشرة الحقوق السياسية وغيرها.
الأيام القادمة وحدها هي من سيبرهن على مدى النجاح من عدمه في تمرير هذا القانون الذي طال انتظاره.






