كادت الحرب أن تفلت إلى تخريب شامل للبنى التحتية النفطية والكهربائية، الجامعات والمدارس والسكك الحديدية، في المنطقة كلها، لا إيران وحدها.
أفلتت تصريحات الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” عن كل قيد سياسي، أو أخلاقي، مهددا بنسف الحضارة الإيرانية، وإحالة البلد كله إلى العصر الحجري.
كان مستعدا للمضي لأسوأ السيناريوهات والخيارات، لدرجة التلميح للخيار النووي، قبل نفيه رسميا، حتى لا يقال إنه هزم في الحرب!
أمكن تجنب ذلك السيناريو الكابوسي، بواسطة باكستانية، ومشاركة مصرية- تركية وتداخل دول أخرى، أهمها الصين، كما أكد “ترامب”.
وهو يكشف عن التوصل إلى هدنة مؤقتة لأسبوعين والدخول في تفاوض مباشر بالعاصمة الباكستانية إسلام أباد، أعلن أنه حقق انتصارا كاملا وشاملا.
لم يكن ذلك صحيحا، أو مصدقا، فكل الأهداف، التي حددها وغير فيها من يوم لآخر أثناء الحرب، أخفقت تماما.
لا النظام الإيراني سقط، ولا قدراته العسكرية انهارت.
بعد أربعين يوما من الحرب اضطر للتفاوض، لا الإملاء، وفق ورقة إيرانية من عشر نقاط اعتبرها أساسا قابلا للتطبيق ووضع حد للأزمة المزمنة.
تحت ضغط الوقت الحرج صيغ الاتفاق على نحو يسمح في نقاطه الحساسة بتفسيرات متعددة، أو إعادة التأويل وفق موازين وحسابات القوة الفعلية لا المدعاة.
جرى كتابة الاتفاق باللغتين الإنجليزية والفارسية والنسختين غير متطابقتين تماما.
هذا سبب إضافي لحرب التفسيرات.
في مداولات الساعات الأخيرة طغت على المشهد المتوتر مخاوف أن تنزلق الحرب إلى فوضى شاملة ومروعة، تفضي بتداعياتها إلى تفاقم أزمة الطاقة، التي ترتبت على إغلاق مضيق هرمز، إلى حدود غير محتملة، إذا ما نالت برد الفعل مصافي النفط ومحطات الكهرباء في الخليج مصيرا مشابها، لما يتهدد إيران.
إنه التخريب الكامل.
في الحصاد الأخير أحرزت إيران مكاسب استراتيجية؛ جراء صمودها في حرب استنزاف، امتدت لأربعين يوما، أكدت مكانتها الإقليمية وحاجة الدول المتجاورة إلى حوار جدي، يحفظ أمن المنطقة دون تدخلات أمريكية وإسرائيلية.
على المدى المنظور نجحت طهران في فرض نوع من السيادة على مضيق هرمز بالغ الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية.
الاتفاق على إعادة فتحه وفر فرصة سانحة لـ”ترامب”، أن يخرج من مأزق الحرب معلنا انتصاره الكامل والشامل!
عندما بدأت الحرب لم يكن المضيق مغلقا، ولا هناك أدنى مشكلة في مرور شاحنات النفط والغاز عبره، لكنه استحال قرب نهايتها إلى أكثر أهدافها تحديدا ووضوحا، أو لعله الوحيد!
إذا كان ذلك هو مفهوم النصر، فلماذا كانت الحرب أصلا؟!
أسوأ سيناريو محتمل جرى تجنبه: إغلاق باب المندب على البحر الأحمر، الذي لوحت به جماعة “الحوثيين” القريبة من طهران.
حسب جوهر الاتفاق، فهناك فتح كامل وآمن لمضيق هرمز تحت إشراف القوات المسلحة الإيرانية، وفق بروتوكول تجري صياغته.
كان ذلك ثمنا سياسيا لفشل الحرب على إيران.
بصياغة أخرى، فإن “ترامب” رغم تهديداته المتفلتة والمشينة، كان في حاجة إلى ذريعة يوقف بها الحرب، على خلفية أزمة الطاقة المتفاقمة وارتفاعات الأسعار داخل الولايات المتحدة قبل غيرها، وانخفاض شعبيته في استطلاعات الرأي العام على نحو مريع ينذر بهزيمة ساحقة للجمهوريين في الانتخابات النصفية لمجلسي الكونجرس نوفمبر المقبل.
تخصيب اليورانيوم أزمة أخرى، تتناقض فيها الحقائق والادعاءات.
لم تقدم إيران أي تنازل جوهري في هذا الملف، أعادت تكرار ما أكدته في كل جولات التفاوض السابقة.
“سيتم التعامل مع مسألة اليورانيوم على أكمل وجه”.
هكذا أكد “ترامب” دون أن يوضح ما الذي يقصده بالضبط.
المثير للالتفات أنه لم ترد أية إشارة إلى تخصيب اليورانيوم في النسخة الفارسية من الاتفاق.
الأغلب أن المفاوضين الأمريكيين سوف يعاودن طرح مطالبهم المعتادة إلحاحا على تنازلات إيرانية بشأنها.
المعضلة- هنا- أن الموقف الإيراني قوي ومتماسك استنادا إلى اتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية، وحق كل الدول في تخصيب اليورانيوم للاستخدامات السلمية.
الربط بين جبهات القتال نقطة مشتعلة أخرى، أو أكثرها اشتعالا بمعنى أصح.
حسب رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو”، الشريك المحرض: “ندعم الجهود الأمريكية لضمان ألا تشكل إيران بعد الآن تهديدا نوويا، أو صاروخيا، أو إرهابيا”.. قاصدا بالإرهاب جماعات المقاومة، خاصة حزب الله اللبناني.
المعنى، أنه سيحاول الضغط بكل ما يستطيع على الإدارة الأمريكية؛ لمنع أي ربط بين جبهتي القتال الإيرانية واللبنانية، رغم ما أكده رئيس الوزراء الباكستاني “شهباز شريف” من أنه اتفق مع “ترامب” على تعليق الهجمات الإسرائيلية على لبنان.
من المتوقع، أن يغض “ترامب” البصر عن ذلك الالتزام، فيما سوف يعاود الإيرانيون التأكيد عليه، قاصدين أن يمتد وقف إطلاق النار إلى الحلفاء في لبنان والعراق واليمن.
هذا التزام يستحيل تماما التحلل منه، وإلا فقدت طهران أي تعاطف شعبي معها، أو أي صدقية لها.
في مفاجآت الحرب الاستراتيجية، التي أربكت الحسابات الامريكية والإسرائيلية معا، أن المخزون الصاروخي الباليستي الإيراني بدا أكبر من أي توقع، أو رصد استخباراتي.
ثبت خطأ ما أعلنه وزير الحرب الأمريكي “بيت هيجسيث” أنه تم القضاء على (90%) منه قبل أن يثبت في الميدان أن هذ محض ادعاء بلا أساس.
تبدت مفاجأة استراتيجية أخرى في مستوى تسليح وكفاءة حزب الله القتالية، الذي لطالما صرح القادة الإسرائيليون، أنهم قضوا عليه تماما.
في يوم إعلان هدنة الأسبوعين توسع الجيش الإسرائيلي في سياسة الأراضي المحروقة والعمل على تكريس منطقة أمنية في جنوب لبنان، بات يطلق عليها اسم “منطقة دفاعية”.
كان ذلك استباقا لاحتمال وقف الحرب.
بنفس اليوم أجهض فيتو روسي صيني مشروع قرار أممي بشأن حرية المرور في مضيق هرمز رغم التعديلات، التي أدخلت عليه حتى يمكن تمريره، مثل حذف أية إشارة إلى استخدام القوة العسكرية وفق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
كان السبب الرئيسي لاستخدام ذلك الفيتو، ما أطلقه “ترامب” من تهديدات متفلتة قال فيها، إنه لا يأبه بالقانون الدولي، أو بأية روادع سياسية وأخلاقية، تمنع ارتكاب جرائم الحرب.
لعل من بين أهم المكاسب الاستراتيجية، التي حققتها إيران بصمودها وتحديها، إقرار الولايات المتحدة بحقها في طلب تعويضات، عما لحق بها من تخريب والإفراج عن ودائعها المجمدة في البنوك الغربية.
حسب “ترامب”: “وصلنا إلى مشارف اتفاق نهائي وكامل للأزمة الإيرانية المزمنة”.
السؤال هنا: من يدفع تلك التعويضات؟
الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتان تتحملان مسئولية التخريب والتقتيل، أم دول الخليج، التي لحقت بها أضرار فادحة، لا يمكن إنكارها؟!
حسب “كارولين ليفات” المتحدثة باسم البيت الأبيض، فإن “الرئيس سوف يبحث مع دول الخليج في هذا الأمر”.
من المنتصر إذن؟
استراتيجيا: إيران.
دعائيا: “ترامب”.
هذه مجرد مقدمة في حرب التفسيرات، التي توشك أن تبدأ عند انعقاد أولى جولات المفاوضات.






