في لحظة إقليمية تتجه نحو التهدئة— من انحسار التصعيد في لبنان، إلى إعادة فتح مضيق هرمز، وتراجع أسعار النفط، وتزايد الرهانات على تفاهم أمريكي– إيراني— يبدو السودان غير بعيد عن هذا المسار، رغم أن الحرب هناك لا تتراجع، بل تعيد إنتاج نفسها في صورة استنزاف طويل، يضغط على المجتمع أكثر، مما يضغط على أطرافها.

الصورة من غرب كردفان تختصر المشهد: مطاحن الحبوب، المصممة للعمل بالجازولين، تحت ضغط الحاجة أضحت تعمل بزيت الفول السوداني بعد انهيار سلاسل الإمداد وتوقف تدفقات الوقود، بما في ذلك التهريب عبر الحدود الليبية، ففي اقتصاد حرب ممتد، تتحول البدائل المؤقتة إلى حلول قسرية، فيما يلوح شبح العودة إلى أدوات إنتاج بدائية، مثل “حجر الرحى”، هذه ليست مجرد أزمة وقود، بل مؤشرا على تفكك البنية الاقتصادية المحلية.

بعد ثلاث سنوات من القتال، يدخل الصراع عامه الرابع دون أفق حسم، ميدانيًا تشكلت خريطة نفوذ شبه مستقرة، الجيش عزز حضوره في الشمال والشرق وأجزاء من الوسط، بينما تسيطر قوات الدعم السريع على معظم دارفور (باستثناء الطينة)، وأجزاء من كردفان ومناطق في النيل الأزرق قرب الحدود الإثيوبية، هذا التوازن لا يعكس قوة بقدر ما يعكس عجزًا متبادلًا عن الحسم.

الكلفة الإنسانية تعمق هذا الانسداد، موجات نزوح ولجوء واسعة، وتدهور حاد في الخدمات، وتعطيل العملية التعليمية، حيث تشير تقديرات إلى حرمان نحو 280 ألف طالب من أداء امتحانات الشهادة الثانوية، هذه المؤشرات لا تعني فقط أزمة حالية، بل خسارة تراكمية في رأس المال البشري.

على مستوى الفاعلين، تتكشف أزمة مزدوجة: عجز عسكري عن الحسم، وانكشاف سياسي متزايد.

في معسكر الجيش، تتراكم الضغوط الدولية والسياسية، فقد شملت العقوبات الأمريكية شخصيات إسلامية بارزة منذ 2023، كما تم تصنيف مجموعات مرتبطة به— مثل “البراء بن مالك”— ضمن قوائم الإرهاب، وكانت الولايات المتحدة قد فرضت عقوبات على (علي كرتي) أحد قيادات الإسلاميين، بالتوازي، تعكس مواقف بعض الحلفاء، خاصة من أطراف اتفاق جوبا، نزعة مبكرة لإعادة تموضع سياسي، تصل أحيانًا إلى الحديث من قيادات عن ترتيبات داخلية جديدة، بما في ذلك احتمالات فصل دارفور، وبحث عن مكاسب مثل حديث جبريل إبراهيم قائد حركة العدل والمساوة شبه العسكرية ووزير مالية الحكومة، الذي فُرضت عليه عقوبات أمريكية في سبتمبر من العام الماضي، عن دور قواته في التحركات العسكرية، وأنهم أول من عبروا (جسر حنتوب) للدخول إلى عاصمة ولاية الجزيرة، وأنهم أول من دخلوا مدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان، عن تداخل بين الأجندة العسكرية والسياسية، بما يعكس هشاشة التحالفات أكثر من تماسكها.

في المقابل، يواجه معسكر قوات الدعم السريع تحديات بنيوية، الانشقاقات في صفوف القيادات، مثل حالة النور قبة، تشير إلى تصدعات داخلية، وعلى المستوى السياسي، لم تنجح القوات في تقديم نموذج حكم مستقر في مناطق سيطرتها، في ظل اتهامات متكررة بارتكاب انتهاكات جسيمة، تشمل جرائم حرب وتطهيرًا عرقيًا، هذا الفشل المزدوج— إداريًا وأخلاقيًا— يضعف قدرتها على التحول إلى فاعل سياسي معترف به، رغم سيطرتها الميدانية الواسعة.

التحول الأهم لم يعد داخليًا، بل في مقاربة المجتمع الدولي، بيان وزارة الخزانة الأمريكية الأخير يعكس تصعيدًا نوعيًا، إذ يربط بين الأزمة السودانية والأمن القومي الأمريكي، ويشير إلى تدويل غير مباشر للصراع، عبر الحديث عن مشاركة مقاتلين أجانب وشبكات تمويل عابرة للحدود، الدعوة إلى هدنة إنسانية لثلاثة أشهر دون شروط، تعكس إدراكًا بأن استمرار الوضع الحالي لم يعد قابلًا للاحتواء.

في السياق ذاته، أعاد مؤتمر برلين إدخال الفاعلين المدنيين إلى المعادلة، مع تعهدات إنسانية تجاوزت 1.5 مليار دولار، وبيان مشترك يدعو لوقف الحرب، لكن الأهم هو دلالته السياسية: إعادة بناء إجماع دولي حول ضرورة إنهاء الصراع.

ضمن هذا الإطار، تتبلور سياسة قائمة على الضغط المركب: حوافز من جهة، وتهديدات ضمنية من جهة أخرى، أبرزها التلويح بإمكانية اللجوء إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. هذا الخيار لم يعد مستبعدًا، بل بات أداة ضغط فعلية.

إلى أين تتجه الأزمة؟

استمرار الاستنزاف (مع قابلية الانزلاق إلى حرب أهلية مركبة):

يظل هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحًا على المدى القصير، حيث يواصل الطرفان القتال دون اختراق حاسم، لكن خطورته تكمن فيما ينتجه من تفكيك تدريجي لاحتكار العنف. ومع طول أمد الحرب، تتزايد احتمالات تشظي المعسكرين إلى مراكز قوى محلية، وتصاعد النزاعات البينية، خاصة في دارفور وكردفان، مع تآكل سلطة القيادة المركزية لصالح اقتصاد حرب قائم على الموارد والولاءات المحلية.

في هذه المرحلة، قد يتحول الصراع من ثنائية الجيش والدعم السريع إلى حرب أهلية متعددة الأطراف، تتداخل فيها الأبعاد القبلية والإقليمية، وهو مسار يقترب— دون تطابق— من نماذج شهدتها المنطقة، كما في ليبيا بعد 2014، أو الصومال في مراحل تفكك الدولة، حيث أدى تعدد الفاعلين إلى إطالة أمد الصراع وتعقيد مسارات التسوية.

تسوية تحت الضغط:

تدفع الضغوط الدولية المتصاعدة نحو هدنة ممتدة، تمهيدًا لمسار تفاوضي، لا يعكس توازنات الداخل بقدر ما يستجيب لإكراهات الخارج، فهل يلتقط قائد الجيش زمام المبادرة، ويشرع في فك الارتباط مع جماعات الإسلام السياسي، ويكون جزءا من حل سوداني متكامل؟

التدويل القسري للصراع:

في حال الانهيار الكامل، قد يُفعَّل الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، بما يعني انتقال إدارة الأزمة جزئيًا إلى المجتمع الدولي، مع ما يحمله ذلك من تعقيدات سيادية.

أخلص إلى أن السودان اليوم ليس فقط ساحة صراع داخلي، بل نقطة تقاطع لتوازنات إقليمية ودولية، ومع تراجع قدرة الفاعلين المحليين على فرض مساراتهم، يتقدم العامل الخارجي كمحدد رئيسي للمآلات، وفي ظل هذا التحول، قد لا تكون نهاية الحرب نتاج تسوية داخلية، بقدر ما تكون نتيجة إعادة ترتيب تُفرض من الخارج— في وقت يتآكل فيه الداخل، وتتعدد فيه مراكز القوة، وتتعقد فيه كلفة استعادة الدولة.