تعكس قمة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في أديس أبابا قبل أيام محاولة فرنسية لإعادة تموضع نفوذها في إفريقيا عبر البوابة الإثيوبية، في ظل تراجع حضورها التقليدي في غرب القارة، كما أنها تدعم نفوذ إثيوبيا وطموحاتها وشراكاتها مع دول الاتحاد الأوروبي.

إفريقيا ومصريا فلا بد من الانتباه إلى أن الزيارة انطوت على سياق يجدد التذكير بالمساعي الحثيثة للدولة الإثيوبية الحبيسة للنفاذ إلى موطئ قدم استراتيجي على البحر الأحمر، وتسخير أي حدث أو فرصة في هذا الاتجاه ذو التأثير الكبير- لو تحقق- على موازين النفوذ والتقييم في الإقليم.

وقد ظلت فرنسا، دون غيرها من الدول الأوروبية، المثال الأبرز لدى نخبة الإمبراطورية الإثيوبية في مشروعها “التحديثي” منذ نهاية القرن التاسع عشر، الأمر الذي عززه لاحقًا دورها في دعم القوات الإثيوبية لتحقيق انتصارها التاريخي على الجيش الإيطالي في معركة عدوة (1896)، وتصاعدت هذه الأهمية طوال مسيرة الإمبراطور هيلا سيلاسي، والذي كرر زيارته باريس، وهو العارف بلغتها وثقافتها.

وربما كانت أحلام “الإمبراطورية”، المتجذرة في ذهن رئيس الوزراء الحالي آبي أحمد، هي البيئة الخصبة “المثالية” للعب إثيوبيا مستقبلًا دورا رئيسا في صيانة “الوصلة الفرنسية” والحضور الفرنسي بإفريقيا، في مقابل أن تقدم باريس الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري لنظام آبي أحمد وتكريس صورته كنموذج إفريقي “رائد” بغض النظر عن اختلالات نظامه وسياساته الإقليمية.

في المقابل، تسعى فرنسا، التي خرجت صاغرة من أكبر قواعدها العسكرية في جيبوتي قبل عقود قليلة لتفسح المجال تمامًا أمام الوجود العسكري الأمريكي ثم الصيني في باب المندب، لضبط “وصلتها” وحضورها وترميم تواجدها الذي شهد تراجعا في إفريقيا من بوابة إثيوبيا.

ويعكس عقد ماكرون لقاءً ثلاثيًا مع الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي في أديس أبابا المكانة التي تمنحها باريس لإثيوبيا داخل استراتيجيتها الإفريقية. كما يؤشر إلى أن التعاون مع أديس أبابا بات أولوية فرنسية؛ لتحقيق مكاسب آنية في القرن الإفريقي، وأخرى بعيدة المدى في القارة

وهو ما أوحت به قمة ماكرون- آبي أحمد (13 مايو الجاري) في ختام جولة الرئيس الفرنسي الأخيرة في القارة، وشملت مصر وكينيا، والذي مثلت زيارته لإثيوبيا الزيارة الثالثة له منذ العام 2019.

قمة ماكرون وآبي أحمد: تعميق التعاون

عقد الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي احمد قمة مهمة (13 مايو) لمناقشة عدد من الملفات الثنائية في القصر الوطني بأديس أبابا، وركزت القمة على “مجموعة واسعة من القضايا ذات الاهتمام المشترك” بين البلدين.

وشهد الزعيمان تبادل التوقيع على اتفاقات تعاون رئيسة بين البلدين، غطت مجالات التنمية المستدامة والطاقة والتحول الرقمي، ووصفتها وكالة الأنباء الإثيوبية “بالخطوة الهامة في تقوية الصلات الثنائية”.

شملت الاتفاقات قرضًا فرنسيًا بقيمة 55 مليون يورو لدعم برنامج الطاقة المتجددة والتحول الرقمي؛ بهدف دعم الانتقال الطاقوي الأخضر وأجندة التنمية الرقمية في إثيوبيا. كما تبادل الجانبان إطارًا وخريطة طريق جديدة لشراكة عامة- خاصة في الطاقة الجيو حرارية بقدرة 150 ميجا وات؛ بهدف تحقيق تقدم في توسع الطاقة المتجددة في إثيوبيا وجذب استثمارات القطاع الخاص (الفرنسي بالأساس) في القطاع.

وعلق آبي أحمد على اللقاء، مؤكدًا أن “المناقشات والاتفاقات تعكس الشراكة المتنامية بين إثيوبيا وفرنسا والتزامهما المشترك بالنمو والتعاون المستدامين”، وأن المحادثات أبرزت عمق العلاقات الفرنسية- الإثيوبية، ولا سيما في قطاعات استراتيجية مثل الطاقة والبنية الأساسية والتكنولوجيا.

ووصف محللون إثيوبيون القمة، بأنها مناسبة حاسمة “لهندسة جديدة للعلاقات بين البلدين”؛ فيما تتحول البيئة الدبلوماسية العالمية نحو عالم متعدد الأقطاب، وفي الوقت نفسه، فإن آفاق هذه العلاقات تتخذ بمرور الوقت “سمات تحالف استراتيجي متماسك ومتعدد الأبعاد”، وهي ملاحظة دقيقة للغاية وكاشفة في الوقت نفسه عن مستقبل العلاقات بين البلدين.     

ولم تأت أجندة القمة بالتحول إلى “التحالف الاستراتيجي”، حسب الميديا الإثيوبية، من فراغ؛ فقد كانت فرنسا أحد أهم القوى الدافعة داخل مجموعة العشرين؛ لدعم جهود إثيوبيا؛ للتخلص من ديونها وإعادة هيكلة قسم آخر منها، وفق ما يعرف “بالإطار المشترك” Common Framework، والذي يعزز في الوقت نفسه الاستقرار على مستوى الاقتصاد الكلي في مرحلة حساسة من تاريخ إثيوبيا، تداخلت فيها تحديات ما بعد حرب التيجراي مع متطلبات الإصلاح الاقتصادي.

 كما تطمح إثيوبيا إلى نيل حصة معتبرة من استثمارات، أعلنها ماكرون خلال القمة الفرنسية- الإفريقية في العاصمة الكينية نيروبي (11-12 مايو الجاري)، وبلغت حسب تقديراته 23 بليون يورو، وكذلك من المبادرات المالية التي تدعمها لتعزيز التعاون بين إفريقيا وأوروبا في قطاعات البنية الأساسية والانتقال الطاقوي والابتكار والتنمية.  

فرنسا والقرن الإفريقي والبحر الأحمر: طموح دائم

ترتبط رؤية فرنسا لإثيوبيا كقاعدة لحراكها المرتقب في القرن الإفريقي وشرق إفريقيا برؤية إثيوبية مماثلة لفرنسا كنافذة رئيسة لتوطيد علاقات أديس أبابا مع بقية دول الاتحاد الأوروبي.

وكما راكمت القمة سجلا حافلا من التعاون الفرنسي الإثيوبي في عهد آبي أحمد، لا سيما في مجالات التعاون الدفاعي والأمني، والحفاظ على التراث الثقافي، وتطوير البنية الأساسية والشراكات الاقتصادية، فإنها فتحت الباب مجددًا أمام دخول الشركات الفرنسية للسوق الإثيوبية، إذ تحل فرنسا ثالثة في لائحة أكبر المستثمرين الأوروبيين بعد المملكة المتحدة وهولندا، وبلغت الاستثمارات الفرنسية المباشرة في إثيوبيا 485 مليون يورو، وفقًا للخارجية الفرنسية.

 ورغم الضآلة النسبية لهذا الرقم ودلالته على وجود اقتصادي فرنسي “محدود”، مقارنة بنظيره الصيني والإماراتي والسعودي على سبيل المثال، فإن تركيزه على قطاعات حيوية مثل الطاقة والقطاع الرقمي (إضافة إلى التعاون الدفاعي والأمني الكبير بين البلدين) يُكسِب الاستثمارات الفرنسية سمات حيوية في مسار جهود آبي أحمد؛ لتحقيق تطور اقتصادي فارق في بلاده.   

كما تسعى فرنسا للاستفادة من توجهات الانفتاح الاقتصادي الإثيوبي في قطاعات هامة مثل الاتصالات والطيران، وتهيئة المناخ أمام انخراط أكبر للشركات الفرنسية. الأمر الذي تبلور في زيارة حوالي 15 شركة فرنسية لإثيوبيا في منتصف إبريل الماضي، بناء على مبادرة من Medef International، وهو الذراع الخارجية لاتحاد الأعمال الفرنسي، مما يؤشر إلى أن هذه الزيارة استشرافية ستتبعها أنشطة أخرى، تعزز وجود مثل هذه الشركات في إثيوبيا، وربما في قطاعات أكثر تنوعًا بمرور الوقت. 

واتساقًا مع ما سبق، ركزت قمة ماكرون- آبي أحمد على تقارب رؤيتهما في قضايا القرن الإفريقي والبحر الأحمر؛ وزاد من أهمية هذا التقارب، أنه يأتي في وقت تتصاعد فيه الأزمات في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، وتتغير فيه التحالفات بشكل متسارع للغاية بفضل النشاط الإسرائيلي في الإقليم، ضمن عوامل أخرى.

والتقت طموحات ماكرون وآبي أحمد عند نقطة أساسية، وهي توسيع نفوذهما السياسي والاقتصادي بشكل مباشر في شرق إفريقيا، وأن تستفيد إثيوبيا من جهودها الكثيفة منذ وصول آبي أحمد للحكم (2018) في إعادة بناء شراكات خارجية بعد سنوات من الصراع والأداء الاقتصادي المتذبذب، بالرغم من الدعاية الإثيوبية “الرسمية” خلافًا لذلك.

ويمكن تفسير الاهتمام الفرنسي بتعميق العلاقات مع إثيوبيا في سياق إقليمي أكبر، يشمل القرن الإفريقي والبحر الأحمر والشرق الأوسط، ورؤية فرنسا لنفسها كقوة فاعلة في تقاطعات هذه المناطق معًا، وربما كنوع من التعويض عن فقد فرنسا- راهنًا على الأقل- ثقلها التقليدي في غرب إفريقيا، وتعزيزًا لخطاب نهاية النفوذ الفرنسي “الاستعماري” الطابع لصالح شراكة فرنسية إفريقية، ويبدو واضحًا أن فرنسا تعول على نيل مصداقية في خطابها، من بوابة العلاقات مع إثيوبيا، ورمزيتها الدالة في جميع أرجاء إفريقيا “جنوب الصحراء”.   

التقارب الفرنسي الإثيوبي: ماذا يعني لمصر؟

ربما لا تمثل زيارة ماكرون لإثيوبيا حساسية خطيرة لمصر، خارج ما يتعلق بمسألة أمن البحر الأحمر؛ فقد اتضح من مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في القمة الفرنسية الإفريقية ولقاءات وزير الخارجية بدر عبد العاطي مع عدد من أقرانه الأفارقة تركيز مصر بوصلتها على التنمية والتكامل الاقتصادي الإفريقي، باعتباره معادلة تضمن “الفوز للجميع”، وتضمن مكانًا لإفريقيا ككل في الساحة الدولية، وهي أجندة مصرية حقيقية وغير قائمة على ادعاءات أو خطابات مستهلكة، بل توجهات حقيقية برهنت عليها القاهرة بخطوات حثيثة في المحافل الإقليمية الإفريقية.

وأعادت القمة الفرنسية- الإثيوبية، وما صاحبها من حديث عن ترقية العلاقات إلى مستوى “تحالف استراتيجي”، التذكير باتفاق ماكرون وآبي أحمد في مارس 2019، والذي تعهدت بموجبه فرنسا بتقديم قرض بقيمة 100 مليون دولار لدعم مشروع إثيوبيا، الحبيسة جغرافيًا دون نوافذ بحرية، لإعادة بناء قوة بحرية. ورغم ما تردد عن تعليق هذا القرض في يوليو 2021 على خلفية أزمة إقليم التيجراي، فإن مسار التعاون العسكري بين البلدين لم يتوقف بصورة فعلية.

فقد استمرت جهود بناء القدرات البحرية الإثيوبية بدعم فرنسي، وهو ما ظهر مجددًا مطلع عام 2024، مع طرح خطط إثيوبية بهذا الشأن أمام مجلس الشعب الإثيوبي بحضور ممثلين عن الجيش الفرنسي وأعضاء من البرلمان الإثيوبي. ويعكس ذلك جدية التعاون العسكري بين الطرفين، حتى وإن ظل جزء مهم منه بعيدًا عن الأضواء.

وتشير هذه السرية النسبية إلى إدراك الجانبين لحساسية الملف إقليميًا، خاصة في ظل ارتباطه المحتمل بترتيبات أمنية أوسع في البحر الأحمر، قد تمنح إثيوبيا دورًا مباشرًا في معادلاته المستقبلية؛ وهو مسار لا يزال يواجه تحفظًا مصريًا وسعوديًا واضحًا.

مع ملاحظة أن ما ذكرته تقارير عسكرية متخصصة (مارس 2025) عن فشل فرنسا في إعادة بناء البحرية الإثيوبية، وتوجه أديس أبابا إلى روسيا؛ لتقوم بهذا الدور عوضًا عن الأولى، لم تتبعه خطوات تؤكد مثل هذه التقارير.

لكن قراءة أدق تكشف عن جانب دعائي واضح، وربما تكتيكًا غير واقعي بالمرة بالنظر إلى الفشل المستحكم في جهود روسيا طوال العقود السابقة لنيل موطئ قدم في البحر الأحمر حتى عبر مرافق “غير عسكرية” في جيبوتي أو إريتريا أو السودان.     

كما استمر دور الجيش والأجهزة الأمنية الفرنسية في زيادة التعاون مع إثيوبيا، لا سيما في مجالات التدريب العسكري والأمن الإقليمي والقضايا البحرية، وتعزيز رؤية الاتحاد الأوروبي، بأن الاستقرار  في دول القرن الفريقي (معهد الشؤون الخارجية، أديس أبابا، 13 مايو الجاري) هو مسألة جوهرية لأمن البحر الأحمر وجهود مواجهة الإرهاب وإدارة الهجرة وحفظ الأمن في طرق التجارة العالمية.   

ورغم المخاوف المصرية التقليدية من أية تغييرات في أمن البحر الأحمر (لصالح دول من خارجه)، فإن دورة حركة الدبلوماسية المصرية الأخيرة في القارة، ومن أهم محطاتها في السياق الحالي، زيارة السيسي لكينيا ثم أوغندا (12-13 مايو)، واتساقها مع جهود إقليمية داعمة إجمالًا لخفض التوترات الإقليمية، تشير إلى تغليب رؤية تسوية الخلافات البينية بمساعدة أطراف إقليمية هامة، وربما بدعم من قوى دولية مثل فرنسا في السياق الحالي.