لم تعد دول الخليج تنظر إلى التهديد الإيراني، باعتباره خطرًا عسكريًا خارجيًا فقط، بل بات القلق يمتد إلى ما يمكن أن تتركه الحرب خلفها من شبكات نفوذ، وخلايا نائمة، وحروب استنزاف طويلة منخفضة الكلفة وعالية التأثير.

يؤشر على ذلك، تطور مهم في هذا السياق، فخلال الأسابيع الماضية، أعلنت أكثر من دولة خليجية ضبط خلايا وتنظيمات، قالت السلطات إن لها ارتباطات بإيران أو حزب الله، واتهمتها بالتخطيط لزعزعة الاستقرار الداخلي.

يأتي هذا في وقت تعيش فيه المنطقة وخصوصا الخليج، تحت ضغط الحرب، والصواريخ، والطائرات المسيّرة، وتهديد الممرات البحرية والطاقة.

في هذا السياق، برز حديث غربي، تناولته صحف، عن توجه سعودي نحو ما وصفته تقارير بـ«هلسنكي الخليج»، في إشارة إلى محاولة بناء ترتيبات أمنية إقليمية جديدة شبيهة باتفاقات هلسنكي، التي جرت في سبعينيات القرن الماضي بين الغرب والاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة.

تلك الاتفاقات لم تؤسس سلامًا بين الخصوم، لكنها وضعت قواعد لخفض التصعيد، ومنع الانفجار المباشر، وفتح قنوات اتصال وإدارة الصراع.

ويبدو أن الرياض تحاول استلهام الفكرة نفسها خليجيًا، ليس لإنهاء الخلاف مع إيران، بل لمنع تحوله إلى استنزاف دائم للمنطقة، وهو ما طرح في تسريب لصحيفة فايننشال تايمز تحت عنوان “هلسنكي الخليج” أي محاولة بناء تفاهمات أمنية إقليمية، تقلل من احتمالات الانفجار الكبير حتى في ظل استمرار الخلافات الدولية والصراعات.

دول الخليج وخلايا إيران

لم تكن الإعلانات الخليجية الأخيرة بشأن ضبط خلايا مرتبطة بإيران أو حزب الله مجرد قضايا أمنية معزولة، بل عكست مخاوف أوسع، تتعلق بطبيعة التهديدات التي يمكن أن تواجهها دول الخليج بعد الحرب.

فالكويت أعلنت ضبط خلية، قالت إنها مرتبطة بحزب الله، وتعمل على زعزعة الاستقرار الداخلي، بينما تحدثت تقارير صحفية خليجية عن شبكات تخابر وتحركات مرتبطة بالحرس الثوري، أو بأطراف تدور في الفلك الإيراني داخل أكثر من دولة خليجية.

كما أعلنت الإمارات إحباط مخطط تخريبي، واعتقال عناصر قالت السلطات إن لهم ارتباطات خارجية.

ولا تعد هذه المخاوف جديدة على الخليج، فمنذ تفجيرات الخبر في السعودية عام 1996، مرورًا بخلية العبدلي في الكويت عام 2015، وصولًا إلى الاتهامات المتكررة من البحرين لإيران بدعم جماعات وشبكات مسلحة، تنظر دول الخليج إلى هذا النوع من التهديدات، باعتباره جزءًا من أدوات الضغط غير المباشر التي يمكن استخدامها لإرباك الأمن الداخلي واستهداف المنشآت الحيوية، خاصة في مناطق إنتاج واستخراج النفط.

وتزداد حساسية هذه المخاوف، بسبب طبيعة البنية الخليجية نفسها؛ فدول الخليج تعتمد بصورة كبيرة على الاستقرار الأمني والاقتصادي، وتمثل الطاقة والمواني والممرات البحرية والمنشآت النفطية ركائز أساسية في اقتصاداتها. كما أن محدودية الكثافة السكانية في بعض الدول الخليجية تجعل أي اختراق أمني أو توتر داخلي أكثر تأثيرًا على تماسك الدولة وثقة المستثمرين والأسواق.

كذلك تخشى بعض العواصم الخليجية من إمكانية استغلال التوترات الاجتماعية أو المذهبية لبناء أدوات نفوذ داخلية منخفضة الكلفة. ورغم إدراك الخليج أن المكون الشيعي لا يمثل المشروع الإيراني، فإن القلق يتركز حول توظيف الانقسامات الإقليمية أو الطائفية في الصراعات السياسية والأمنية.

كما تنظر دول الخليج إلى بعض القضايا السابقة، باعتبارها مؤشرًا على طبيعة هذا التهديد، ففي قضية خلية العبدلي بالكويت تحدثت السلطات عن أسلحة ومتفجرات واتصالات خارجية، بينما كشفت قضايا أخرى في البحرين عن شبكات تهريب وتدريب عابرة للحدود.

 ويعزز هذا النمط المخاوف الخليجية، من أن التهديدات غير التقليدية قد تتحرك لفترات طويلة، بصورة يصعب اكتشافها مبكرًا.

الحرب ومفهوم الأمن الخليجي

أظهرت الحرب الأخيرة في المنطقة، أن التهديد الذي تواجهه دول الخليج لم يعد يقتصر على المواجهات العسكرية التقليدية أو الهجمات الصاروخية المباشرة، بل بات يشمل أنماطًا أكثر تعقيدًا من الحروب الهجينة، مثل الهجمات السيبرانية، والطائرات المسيّرة، والشبكات المرتبطة بالقوى الإقليمية، وحروب الاستنزاف الاقتصادية والأمنية.

ومعها أدركت العواصم الخليجية، أن الخطر لا يتمثل فقط في قوة إيران العسكرية، بل أيضًا في قدرتها على استخدام أدوات نفوذ غير مباشرة داخل الإقليم. فدولة تمتلك شبكات حلفاء ووكلاء وأدوات ضغط إقليمية، لا تحتاج بالضرورة إلى مواجهة شاملة لإرباك خصومها، بل يمكنها استنزافهم أمنيًا واقتصاديًا عبر أزمات متقطعة وممتدة.

كما كشفت الحرب هشاشة البيئة الأمنية في المنطقة، خاصة مع تصاعد المخاوف المرتبطة بأمن الطاقة والممرات البحرية والاستثمارات الكبرى. فاستمرار التوتر لفترات طويلة يرفع كلفة التأمين والشحن والطاقة، ويؤثر على خطط التحول الاقتصادي التي تعمل عليها دول الخليج، خصوصًا السعودية والإمارات.

وفي الوقت نفسه، برز داخل الخليج إدراك متزايد، بأن الاعتماد الكامل على المظلة الأمنية الأمريكية لم يعد كافيًا وحده لضمان الاستقرار، خصوصًا في ظل تغير أولويات واشنطن الدولية، واتجاهها نحو تقليل الانخراط المباشر في أزمات الشرق الأوسط مقارنة بسنوات سابقة.

لماذا تطرح السعودية «هلسنكي الخليج»؟

في ظل هذه التحولات، تبدو السعودية، وكأنها تتحرك نحو مقاربة تقوم على إدارة التهديد، بدلًا من محاولة حسمه بالكامل.

فالرياض تدرك أن الضربات العسكرية والعقوبات قد تضعف إيران، لكنها لن تنهي نفوذها الإقليمي أو قدرتها على استخدام أدوات الضغط غير المباشر، التي بنتها خلال سنوات طويلة في المنطقة.

ومن هنا برزت فكرة بناء تفاهمات أمنية إقليمية، تقلل احتمالات الانفجار الكبير، وتضع قواعد لخفض التصعيد ومنع انتقال الصراع إلى الداخل الخليجي أو إلى الممرات الاقتصادية الحيوية.

ويبدو أن السعودية تسعى من خلال هذا التصور إلى تحقيق عدة أهداف متوازية: خفض احتمالات التصعيد العسكري المباشر في الخليج، وحماية مشاريع التحول الاقتصادي والاستثمارات الكبرى، وتقليل كلفة الاستنزاف الأمني طويل المدى، مع بناء توازن إقليمي أكثر استقرارًا في ظل تراجع الاعتماد المطلق على الحماية الأمريكية.

كما لا تبدو الرياض راغبة في تحويل الخليج إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين إيران وإسرائيل، خاصة مع تصاعد الاقتناع داخل المنطقة، بأن الصراع بين الطرفين بات مصدرًا إضافيًا للتوتر وعدم الاستقرار.

لذلك لا يقوم الطرح السعودي على التحالف مع إيران أو إنهاء الخلافات السياسية معها، بل على وضع قواعد تمنع تحول الصراع إلى حالة دائمة من الفوضى والاستنزاف.

معوقات «هلسنكي الخليج»

رغم المنطق الذي يقف خلف هذا الطرح، فإن تطبيقه عمليًا يواجه تحديات معقدة.

العقبة الأولى تتعلق بطبيعة الشرق الأوسط نفسه. فالنموذج الأوروبي الذي استُلهمت منه فكرة هلسنكي قام بين دول واضحة وجيوش نظامية وخطوط صراع مستقرة نسبيًا، بينما تقوم أزمات الشرق الأوسط على شبكة معقدة من الدول والوكلاء والجماعات المسلحة والحروب غير المباشرة.

وتبرز هنا قضية وكلاء إيران في المنطقة، إذ يبقى السؤال مطروحًا حول مدى قدرة طهران على ضبط الجماعات المرتبطة بها في اليمن ولبنان والعراق وسوريا، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية أو أمنية.

أما العقبة الثانية، فتتعلق بإسرائيل. فأي نظام أمني جديد في الشرق الأوسط، يصعب أن يتجاهل دورها، خاصة بعد حرب غزة والتصعيد الإقليمي الأخير. لكن إدخال إسرائيل في أي ترتيبات أمنية إقليمية قد يدفع إيران إلى رفضها، بينما يؤدي استبعادها إلى خلق توازنات ناقصة وغير مستقرة.

إضافة لذلك، تعاني المنطقة من أزمة ثقة عميقة بين مختلف الأطراف، فدول الخليج لا تثق في نوايا إيران، بينما ترى طهران أن الوجود الأمريكي والتحالفات الخليجية يمثلان تهديدًا مباشرًا لها.

كما تتحرك القوى الدولية نفسها، وفق حسابات متغيرة باستمرار، ما يجعل أي تفاهمات إقليمية معرضة للاهتزاز مع تغير موازين القوى.

ويضاف إلى ذلك وجود تباينات داخل الخليج نفسه بشأن كيفية التعامل مع إيران، إذ تميل بعض الدول إلى الاحتواء والتهدئة، بينما تفضل دول أخرى استمرار سياسة المواجهة والضغط.

وهنا لا يبدو أن الخليج يبحث اليوم عن سلام تاريخي مع إيران بقدر ما يبحث عن منع المنطقة من التحول إلى ساحة استنزاف مفتوحة ومستمرة.

فالحرب الأخيرة دفعت العواصم الخليجية إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن، بحيث لم يعد يقتصر على مواجهة التهديدات العسكرية المباشرة، بل يشمل أيضًا احتواء الحروب الهجينة، والشبكات العابرة للحدود، والتداعيات الاقتصادية والسياسية للصراعات الإقليمية.

وفي هذا السياق، تبدو فكرة «هلسنكي الخليج» محاولة لبناء قواعد لإدارة الصراع وخفض مخاطره، أكثر من كونها مشروعًا لتسوية نهائية بين الخصوم.