رفضت محكمة النقض الاقتصادية، يوم الاثنين الموافق 6/ 7/ 2026، الطعنين المقدمين من وزيرة الثقافة جيهان زكي، وأيدت الحكم الصادر ضدها من المحكمة الاقتصادية بإدانتها بالتعدي على حقوق الملكية الفكرية للكاتبة سهير عبد الحميد، في القضية المرتبطة بنقل أجزاء من كتاب حول قوت القلوب الدمرداشية، كتبته سهير عبد الحميد، في كتاب نشرته جيهان زكي بالهيئة المصرية العامة للكتاب.
وهو الموضوع الذي يثير منذ فترة ليست بالقصيرة ضجة في الأوساط المجتمعية المختلفة، بحسب موقع الوزيرة ” كوزيرة للثقافة”، وبحسب القضية ذاتها، ومدى ارتباطها بكينونة عمل وزارة الثقافة، إذ إن من مهام الوزارة حماية المجتمع الثقافي من أية تدخلات غير شرعية تمس حقوق المؤلفين، لا أن تأتي المشكلة من عدوان على حقوق إحدى المؤلفات، تتهم فيه الوزيرة نفسها، حتى ولو كانت الواقعة من قبل توليها المنصب الوزاري، إلا أنه كان من الأحوط على الوسط السياسي، ألا يزج بنفسه في هذا المعترك، بأن يبعد ترشيح الوزيرة عن هذا المنصب، ولكن وبمنطق كونها قد تولت الوزارة، وأخذت القضية مسارها القانوني، إلى أن انتهت بحكم نهائي، بات يؤكد عدوان الوزيرة على حقوق الملكية الخاصة بصاحبة المؤلف الأساسي، وقد صدر الحكم وفقًا لأحكام قانون الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002، وهو ما أكد ثبوت الاعتداء على حقوق المؤلف من خلال النقل الحرفي والاقتباسات المطولة من كتاب الكاتبة سهير عبد الحميد، وذلك بعد أن أحالت المحكمة الاقتصادية خلال مرحلة التقاضي الموضوع إلى لجنة ثلاثية من خبراء الملكية الفكرية، وقد كان لتقرير تلك اللجنة أثر بالغ في الحكم الصادر، وقد انتهى الحكم إلى ثبوت الاعتداء على حق المؤلف الأصلي، وسحب كتاب الوزيرة ومنعه من التداول، وإلزامها بتعويض المؤلفة” المدعية بالحقوق المدنية ” بمبلغ مائة ألف جنيه كتعويض عن فعل الوزيرة.
والتساؤل الرئيسي هل يعد ذلك الحكم من الأحكام الماسة بالشرف والاعتبار؟ وهو الأمر الحتمي الذي يمس أمانة الوظيفة العمومية، وقد اختلف الفقه حول هذه المسألة، وبشكل أخص في كون الحكم لم يصدر وفقًا لنصوص قانون العقوبات، وذلك بحسب المدرسة التقليدية الجنائية، والتي يرى مؤيدوها أن نصوص التجريم والعقاب والاستبعاد من الوظائف العامة يجب أن تُفسر في أضيق الحدود حمايةً للمراكز القانونية للمواطنين. ويستندون في حالة وزيرة الثقافة إلى أن التفريق بين قانون العقوبات والقوانين الخاصة: الجريمة صُنفت كـ”جنحة اقتصادية”، وفقاً لقانون حماية الملكية الفكرية، ولم تُصنف كـ “سرقة” أو “تزوير”، وفقاً لقانون العقوبات، وانتفاء ركن الاختلاس المادي: السرقة التقليدية تتطلب سلب حيازة شيء مادي منقول مملوك للغير، أما نقل النصوص والأفكار، فهو اعتداء على حق معنوي.
وهناك اتجاه فقهي مقابل، يعتد بالسرقات الأدبية، بأنها ماسة بالشرف والاعتبار، حيث ينظر أصحاب هذا الفريق إلى مفهوم “الأمانة”: الأمانة ليست مالية فقط، بل هناك “الأمانة العلمية”، وإقدام شخص على سلب جهد إبداعي وفكري لآخر ونسبته لنفسه لتحقيق وجاهة علمية أو مكاسب أدبية، هو سلوك ينبئ عن “انحراف في الطبع وضَعف في الخلق”، وهو التعريف الذي وضعته الإدارية العليا للجريمة المخلة بالشرف، وقد عرفت المحكمة الإدارية العليا مفهوم الشرف والاعتبار في العديد من أحكامها، منها الحكم رقم 10 60 لسنة 29 قضائية، والتي أرست فيه أن “الجرائم المخلة بالشرف أو الأمانة لم يضع لها المشرع تحديداً جامعاً مانعاً، والقدر المتيقن في تعريفها؛ هي تلك الجرائم التي ترجع إلى ضعف في الخلق وانحراف في الطبع، مع الأخذ في الاعتبار طبيعة الوظيفة ونوع العمل، والظروف التي ارتكبت فيها الأفعال، ومدى كشفها عن التأثر بالشهوات والنزوات وسوء السيرة”. كما تواترت أحكام مجلس الدولة على أن “حسن السمعة والاعتبار” هو شرط مفترض في شاغلي المناصب القيادية والوزارية، وهو شرط “ينسحب ويسقط تلقائياً” دون الحاجة لصدور حكم بجريمة مخلة بالشرف بالمعنى الضيق.
فهل كان يعني صدور هذا الحكم، وفق ما أرسته المحكمة الإدارية العليا فقدان الوزيرة لأحد أهم شروط تولي منصب حكومي وزاري؟ وهل هذا الشرط هو شرط ابتداء في بداية التعيين، أم أنه يتعين أن يكون شرطًا مستمرًا بدوام تولي المنصب؟ أرى أنه من الشروط ذات الحساسية البالغة، والتي يجب أن يكون مستمراً مع استمرار تولي المنصب العام، وبالتالي، فإنه بصدور الحكم، فقد فقدت الوزيرة لشرط من شروط تولي المنصب العام. ولكن واستكمالًا للنقاش فإن المنصب الوزاري لا يخضع لقانون الخدمة المدنية، وإنما يتم التعيين بموجب قرار جمهوري، ولم يضع الدستور المصري أية شروط موضوعية لتولي المنصب الوزاري.
ولكن ولكون الوزيرة قد تقدمت باستقالة، فقد رفعت الحرج السياسي العام عن الحكومة، في كيفية تعاملها مع الوزيرة بعد صدور حكم من أعلى جهة قضائية مصرية، خصوصًا أن ذلك الحكم يعد من قبيل الأحكام الجنائية، وهو ما يشكل إدانة للوزيرة، إذ ليست الإدانة دوما تكون حبسا، بل أنها قد صدرت وفقا لقانون حماية الملكية الفكرية، بما به من عقوبات، وما يؤكد ذلك تضمن الحكم نفسه لعقوبة تكميلية، حيث أمرت بسحب مؤلف الوزيرة ومنعه من التداول، وما يدعم كون الوزيرة قد قطعت باستقالتها تصويب ألسنة حداد على الحكومة تجاه مسؤوليتها عن تداعيات صدور هذا الحكم، أن طبيعة الحقيبة الوزارية، أنها الجهة الحكومية الرسمية المنوط بها قانونًا حماية الملكية الفكرية، ورعاية المبدعين، وكذلك حماية حقوقهم ودعمهم في حالات السطو الأدبي أو العدوان على أية حقوق مرتبطة بهم، وهو الأمر الذي ينال من الاعتبار الأدبي للوزارة برمتها، ذلك بخلاف أن صدور أحكام إدانة في قضايا سرقات أو اعتداءات أدبية يعد بمثابة ” نهاية مهنية” للمعتدي في الأوساط العلمية والأدبية، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على شخصية الوزيرة، بحسب كون الحكم قد صدر ضدها، وهو ما يمكننا اعتباره أحد أهم الأسباب السياسية والإدارية، التي تمنعها من الاستمرار في تولي تلك الحقيبة بمنطق الموائمة السياسية على أقل تقدير، بخلاف فقدانها لأهم اعتبارات توليها لمنصب وزارة الثقافة، وهو الأمر الذي انجلى في سرعة قبول الحكومة للاستقالة، التي تقدمت بها الوزيرة، وهو ما يرفع عن السلطة السياسية أي حرج سياسي تجاهها، ذلك على الرغم من كون رئيس الدولة كان يملك وفق لنص المادة 147 من الدستور إعفاء الوزراء من مناصبهم بالتشاور مع رئيس الوزراء.
ونأمل أخيرا ألا يكون الترشيح لمثل هذه المناصب، دونما إجراءات مسبقة عن شخصية المرشحين، دعمًا للثقة والاعتبار اللازمين في الحكومة.






