مع إعلان الحوثيين فرض حصار بحري على السعودية وتهديد الملاحة في باب المندب، تزايدت المخاوف في أسواق الطاقة العالمية، التي تعاني من إغلاق إيران الفعلي لمضيق هرمز، وهي تطورات تلقي بظلال على الاقتصاد العالمي، ومنها اقتصاد مصر.
الحرب مع إيران، أدت لتوقف حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، واعتمدت الرياض على خط أنابيب إلى البحر الأحمر لتصدير ملايين البراميل من النفط وحال إغلاق باب المندب؛ ستنخفض إمدادات النفط العالمية بنسبة 7% تضاف إلى 10% انخفضت بالفعل منذ بدء الحرب.
حوّلت السعودية 70% من صادراتها من الطاقة عبر البحر الأحمر عبر باب المندب الطريق البديل للشحنات، التي لا تستطيع المرور عبر مضيق هرمز، الذي أغلقته إيران بعد استئناف الولايات المتحدة هجماتها على إيران مجددًا، والرد الإيراني على استهداف منشآت في الخليج العربي.
ارتفاع كبير بتكلفة التأمين
منذ إطلاق التهديدات الحوثية، ارتفعت تكاليف التأمين على شحن البضائع من 0.3% لحوالي 0.75% من قيمة السفينة، ما يعني تكاليف إضافية لرحلة بحرية مدتها سبعة أيام، قد تصل إلى مئات آلاف الدولارات، خاصة أن الحوثيين يمتلكون القدرة على الإضرار بالملاحة.
أظهر الحوثيون بالفعل قدرتهم على تعطيل حركة الملاحة البحرية، وسبق أن أجبروا العديد من شركات الشحن على تغيير مسارها، حتى بدون حصار رسمي، أدت هذه العمليات إلى تعطيل كبير في حركة التجارة العالمية بعد أن هاجموا سفنًا تجارية بالبحر الأحمر عقب العدوان الإسرائيلي على غزة، وشنوا أكثر من 100 هجوم على مدى عامين.
يعتمد نهج الحوثيين العملياتي على تكتيكات متعددة، تشمل الطائرات المسيّرة والصواريخ المضادة للسفن، واحتمال استخدام الألغام البحرية، إلى جانب تمركزهم الاستراتيجي على طول الساحل اليمني، والدعم التقني والعسكري الإيراني المُعلن، ويمنح ذلك الحوثيين قدرة حقيقية على تهديد الملاحة في المضيق، وربما إيقافها تمامًا.
يقول اللواء أشرف لبيب، الخبير الاستراتيجي، إن اليمن يتمتع بميزة استراتيجية في السيطرة على مضيق باب المندب لامتلاكه جزيرة بريم، الواقعة عند مدخل البحر الأحمر. كما يمتلك مجموعة جزر أخرى على طول البحر الأحمر، وخليج عدن، وبحر العرب.
يبلغ إجمالي عدد الجزر اليمنية حوالي 186 جزيرة، منها 150 جزيرة في البحر الأحمر، وأهم وأكبر الجزر المأهولة بالسكان في اليمن هي: بريم، وحانيش، وزقر، وقمران، وسقطرى في الخليج العربي. (سقطرى جزيرة يمنية حاولت الإمارات السيطرة عليها أثناء الحرب، التي شنتها مع السعودية على الحوثيين).
أضاف لبيب أن أمن واستقرار مضيق باب المندب يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بأمن البحر الأحمر، فضلًا عن بقاء قناة السويس مفتوحة للملاحة الدولية في المقام الأول، إذ يُعد أمنهما وسلامتهما، والحفاظ على الملاحة فيهما، من أهم العوامل لاستقرار وأمن حركة السفن التجارية وناقلات النفط حول العالم، واستقرار تدفق سلاسل الإمداد التجارية العالمية بشكل طبيعي بين دول الشرق والغرب.
عواقب وخيمة على الاقتصاد العالمي
بدون إغلاق رسمي لباب المندب، حافظت شركات الشحن الكبرى، بما في ذلك ميرسك وإم إس سي، وسي إم إيه سي جي إم، على تحويل مسارها حول رأس الرجاء الصالح منذ أواخر عام 2023، مما أدى إلى زيادة تكاليف الشحن السنوية بما يقدر بنحو 7 إلى 9 مليارات دولار أمريكي عبر أسطول الحاويات العالمي.
يؤدي الإغلاق الكامل إلى مضاعفة هذه الأرقام بشكل كبير، ومن المتوقع أن ترتفع أسعار النفط بشكل حاد، مما يزيد من الضغوط التضخمية الناجمة بالفعل عن إغلاق مضيق هرمز، ويعمق ما يُرجح أن يكون بالفعل واحدة من أشد أزمات الطاقة في التاريخ الحديث.
ارتفعت أسعار الشحن الفوري للحاويات العالمية بنسبة 400-600% خلال أزمة سلاسل التوريد عام 2021، وبنسبة 200-300% خلال اضطرابات البحر الأحمر مطلع عام 2024، لكن الصدمة هذه المرة ستكون أشد، ويتحمل المستهلكون في نهاية المطاف هذه التكاليف من خلال ارتفاع أسعار السلع المستوردة، من الإلكترونيات والسيارات إلى الملابس والمواد الغذائية.
أما بالنسبة للاقتصادات التي تعتمد بشكل كبير على تجارة البحر الأحمر – لا سيما في أوروبا وشرق إفريقيا وجنوب آسيا وجنوب شرق آسيا، فسيكون التأثير التضخمي فورياً وشديدًا، فعلى سبيل المثال، ستواجه الهند، التي تعتمد على هذا الممر لاستيراد جزء كبير من الطاقة وتصدير السلع المصنعة إلى أوروبا، ضغوطاً حادة على ميزانها التجاري ومعدل التضخم المحلي.
لكن ذلك التأثير الشديد، يراه بعض الخبراء نقطة ضعف في مساعي الحوثيين وإيران لشل حركة النفط، إذ استبعد بعض المحللين قطع إمدادات النفط عبر البحر الأحمر، لأن الخام المصدّر عبره يتجه أساساً إلى الأسواق الآسيوية، وخصوصاً الصين، شريك إيران السياسي والاقتصادي الأهم.
تصعيد في وقت محسوب بدقة
لوري هايتايان، مديرة معهد حوكمة الموارد الطبيعية للشرق الأوسط وشمال إفريقيا وخبيرة الطاقة، قالت إن الأزمة الحالية تأتي في توقيت حساس، فالطلب على الغاز يرتفع في آسيا خلال فصل الصيف لتوليد الكهرباء اللازمة للتبريد، بينما تستعد أوروبا لإعادة ملء مخزوناتها من الغاز قبل حلول فصل الشتاء، ما يخلق منافسة قوية على الإمدادات المتاحة.
أضافت أن المرحلة الأولى من الحرب شهدت اضطرابًا في الإمدادات، تراوح بين 8 و9 ملايين برميل يوميًا وامتداد الخطر من مضيق هرمز إلى باب المندب، يؤدي إلى فقدان كميات إضافية من الإمدادات تقدر بنحو 5 ملايين برميل يوميًا.
استطاعت السعودية خلال المرحلة الأولى من الحرب استخدام خط أنابيب شرق-غرب لنقل النفط من منطقة الخليج إلى البحر الأحمر، لكن التصعيد بباب المندب يدفعها للبحث عن حلول وبدائل إضافية؛ لنقل صادراتها، لكنها لن تمنع التأثير الكامل على الأسواق العالمية.
كيف تتأثر مصر؟
تكبدت مصر خسائر تزيد على 9 مليارات دولار؛ بسبب هجمات جماعة الحوثي المسلحة في اليمن على السفن في البحر الأحمر، وتراجع عدد السفن التي كانت تمر من القناة بالاتجاهين من 75 سفينة إلى 25 سفينة ما يعني انخفاضاً بنسبة 60% على الأقل حينها.
حال فرض الحوثيين حصارًا على المملكة وتعطيل الملاحة ستتأثر قناة السويس وإيراداتها، وهي عنصر مهم من أربعة عناصر، تمثل مصادر العملة الصعبة في مصر (السياحة، تحويلات المصريين بالخارج، التصدير، قناة السويس).
تواجه مصر تحديا آخر يتمثل في تأثير ارتفاع أسعار النفط، فالموازنة العامة تستهدف سعرا للبرميل عند 75 دولارا، والأسعار حاليا عند مستوى 88.51 دولارا، ما يزيد من الفجوة التمويلية، فكل زيادة بقيمة دولار واحد في سعر برميل النفط عالمياً، يرفع عجز الموازنة العامة بنحو 4.5 مليارات جنيه.
بحسب بنك “جولدمان ساكس”، فإن سعر خام برنت قد يتجاوز 120 دولاراً للبرميل في الربع الأخير من هذا العام، ويبلغ متوسطه 100 دولار للبرميل العام المقبل، إذا استمر انقطاع الإمدادات عبر مضيق هرمز، ولم يتعاف إنتاج دول الخليج تماما إلا بحلول نهاية 2027.
حال توقف أو تراجع إمدادات الغاز القطري، ستضطر الأسواق الآسيوية والأوروبية إلى شراء الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة بأسعار مرتفعة، في ظل استمرار تداعيات أزمة الطاقة، التي بدأت مع الحرب الروسية الأوكرانية.
ورغم أن مصر لديها عقد توريد طويل الأجل من النفط الوارد من الشرق، لكن الحكومة الإسرائيلية تتلكأ في بعض الأحيان، وتُعطل تلك الإمدادات بمزاعم الصيانة، وتعتمد مصر في التعويض عبر استيراد كميات غاز مسال من الولايات المتحدة الأمريكية.
واستوردت مصر نحو 985 مليار قدم مكعبة من الغاز خلال الفترة من يوليو 2025 إلى يونيو 2026، ومن المتوقع ارتفاع تلك الأرقام لـ 1.081 تريليون قدم مكعبة خلال العام المالي الجاري، مع توقعات بانخفاض متوسط إنتاج الغاز إلى 4.2 مليارات قدم مكعبة يوميا خلال العام المالي الجاري.
ما الحل؟
وسط تلك الأزمات الحالية توجد أمام مصر فرصة للتعاون مع ليبيا، خاصة أن ذلك التعاون ثبتت فعاليته الأسبوع الماضي، حينما ساهمت الشبكة المصرية للكهرباء في إنقاذ الشبكة الليبية للكهرباء، التي تعرضت للانهيار مع انقطاع كامل للتيار عن معظم أنحاء البلاد فجر السبت الماضي.
ضخت الشبكة المصرية 70 ميجا واط من الكهرباء للشبكة الليبية، عبر خط يربط البلدين منذ سنوات، وتبلغ قدرته الإجمالية نحو 150 ميجا واط، وهي كميات رغم أنها محدودة، لكنها كانت فعالة لإعادة محولات محطات ليبيا للعمل.
يوجد تعاون وثيق بين مصر وليبيا في مجال الربط الكهربائي، بدأ منذ عام 1998، عبر خط ربط بجهد 220 كيلو فولت، في حين تصدر مصر حاليا نحو 150 ميجا واط من الكهرباء إلى ليبيا، لتلبية جزء من احتياجاتها، لكن ذلك التعاون شهد بعض العقبات في وجود متأخرات على ليبيا بلغت 141 مليون دولار، استطاعت الحكومة الليبية سداد 100 مليون منها في الأسبوع الأخير.
وفي إبريل الماضي، تحدثت تقارير صحفية، أن مصر طلبت استيراد مليون برميل من النفط الليبي، وهو ما رحبت به الحكومة الليبية، لكن لم يتم الكشف عن مصير ذلك الطلب، خاصة مع مطالبة خبراء ليبيين، بأن يكون توقيع تلك الاتفاقيات طويل المدى، بما يضمن استقرار الإيرادات وتعزيز الشراكات الاستراتيجية.






