خلال أسابيع قليلة، قفزت أسعار النفط بأكثر من 50%، كما ارتفعت أسعار الغاز والأسمدة والمعادن في موجة واحدة، في مشهد يتجاوز مجرد أزمة في إمدادات الطاقة، إلى ما وصفه البنك الدولي بـ”صدمة سلع عالمية” قد تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي.

أزمة ف إمدادات النفط
أزمة في إمدادات النفط

وكشفت الحرب عن أثر اقتصادي مباشر وعميق على أسواق السلع، مع ارتفاعات حادة في أسعار الطاقة والغذاء، وتداعيات تمتد إلى التضخم والنمو، خاصة في الاقتصادات النامية.

في هذا السياق، يرصد تقرير آفاق أسواق السلع الأولية الصادر عن مجموعة البنك الدولي، استنادًا إلى بيانات حتى 20 إبريل 2026، تطورات وتوقعات أسعار 46 سلعة رئيسية، مقدمًا تحليلًا لقطاعات الطاقة والزراعة والأسمدة والمعادن، إلى جانب قسم خاص يدرس انتقال صدمات النفط إلى بقية الأسواق.

ويخلص التقرير، (يصدر مرتين سنويًا في إبريل وأكتوبر) إلى أن الحرب أصبحت عاملًا مباشرًا في تحريك أسعار السلع عالميًا، وإن كانت انعكاساتها تختلف من دولة إلى أخرى.

وفي حين تستفيد الدول المصدّرة للطاقة مؤقتًا من ارتفاع الأسعار، تواجه الدول المستوردة ضغوطًا متزايدة على فاتورة الواردات، بما يفاقم معدلات التضخم، ويزيد الأعباء على المالية العامة.

حالة أسواق السلع

يقدر التقرير أن اندلاع الحرب في الشرق الأوسط مثّل صدمة لإمدادات السلع العالمية، نتيجة الهجمات على البنية التحتية للطاقة وتوقف شبه كامل لحركة الشحن عبر مضيق هرمز، وهو ما أدى إلى “اضطرابات غير مسبوقة في إمدادات السلع العالمية”.

ويؤكد أن مضيق هرمز يمثل ممرًا رئيسيًا لتجارة الطاقة، إذ كان يمر عبره قبل الحرب نحو 35% من تجارة النفط الخام المنقولة بحرًا و20% من المنتجات النفطية و20% من الغاز الطبيعي المسال.

 كما يُبرز أن الخليج يمثل “مصدرًا حيويًا للأسمدة، وخاصة اليوريا، والمواد الكيميائية مثل الهيليوم والكبريت، إضافة إلى مساهمة كبيرة في إمدادات الألومنيوم عالميًا”.

ويضيف التقرير، أن الأزمة بلغت ذروتها مع تراجع الإمدادات النفطية العالمية في مارس 2026 بنحو 10 ملايين برميل يوميًا، وهو ما وصفه بأنه “أكبر صدمة في إمدادات النفط في التاريخ” وتجاوز حسب تقارير سابقة للبنك أزمة النفط 1973، وحرب الخليج، والحرب الروسية الأوكرانية.

الطاقة: صدمة أسعار في سوق النفط والغاز

صدمة في أسعار سوق النفط
صدمة في أسعار سوق النفط

يؤكد التقرير، أن قطاع الطاقة كان محور الصدمة الأول، ومنذ اندلاع الحرب، ارتفعت أسعار السلع المتأثرة مباشرة بشكل كبير، حيث كان خام برنت في نهاية فبراير عند 72 دولارًا للبرميل، وهو مستوى كان قد تضمن بالفعل علاوة مخاطر جيو سياسية مرتفعة.

 ثم سجلت الأسعار أكبر زيادة شهرية لها على الإطلاق، لترتفع إلى نحو 118 دولارًا للبرميل في مارس.

وبحلول النصف الأول من إبريل، تراجعت بعد إعلان وقف إطلاق النار، إلا أنها ظلت أعلى بأكثر من 50% مقارنة بمستوياتها في بداية عام 2026، لتستقر في نطاق يقارب 90 دولارًا للبرميل.

كما شهدت أسواق الطاقة، خاصة في الشرق الأوسط وآسيا، تقلبات حادة، حيث تعكس هذه التحركات سعي المصافي والمستخدمين النهائيين للحصول على إمدادات محدودة من أنواع محددة من النفط والمنتجات المكررة

ويورد أن “مؤشر الغاز الطبيعي المسال في آسيا ارتفع بنسبة 94% خلال مارس، بينما ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا بنسبة 59%”، مع وصول الأسعار الأوروبية إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2023. ويعكس ذلك اشتداد المنافسة العالمية على الإمدادات بعد تراجع صادرات الشرق الأوسط.

وفي التوقعات، يوضح التقرير أن “مؤشر أسعار الطاقة العالمية مرشح للارتفاع بنسبة 24% في عام 2026”، مع متوسط متوقع لخام برنت عند 86 دولارًا للبرميل، وهو ما يمثل “صدمة بنحو 40% مقارنة بتوقعات يناير”. كما يتوقع انخفاض إنتاج النفط العالمي بنسبة 1.5%، وهو ثالث أكبر تراجع سنوي في أربعة عقود.

الزراعة والأسمدة والغذاء: صدمة غير مباشرة عبر الطاقة

رغم محدودية التأثير المباشر على الغذاء، تأثرت أسواقه عبر قنوات غير مباشرة، إذ ارتفع “مؤشر أسعار الغذاء إلى أعلى مستوى في 22 شهرًا في مارس”؛ نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والطلب على الزيوت النباتية المستخدمة في الوقود الحيوي.

وفي التوقعات، يوضح أن “مؤشر أسعار الغذاء العالمي مرشح للارتفاع بنحو 2% في عام 2026”، مع زيادات في بعض الزيوت مثل “ارتفاع أسعار زيت النخيل وزيت فول الصويا بنسبة 8%”.

أما الأسمدة، فهي الأكثر تأثرًا، وهي وثيقة الصلة بالإنتاج الزراعي، وارتفع “مؤشر أسعارها بنسبة 31% في عام 2026”، مدفوعًا بارتفاع أسعار اليوريا بنسبة 60% نتيجة اضطرابات الإمدادات، وارتفع المؤشر إلى مستوى قياسي، مسجلًا ثاني أعلى زيادة شهرية له خلال العقد الماضي.

 ويؤكد التقرير، أن هذه التطورات تعكس “اختلالات في إمدادات المواد الخام أدت إلى قفزة كبيرة في أسعار اليوريا”. محذرا من أن ارتفاع أسعار ها “سيؤدي إلى تراجع معدلات الاستخدام وانخفاض إنتاجية المحاصيل في دورات زراعية لاحقة”.

المعادن.. طلب صناعي قوي وسط قيود إمداد

يلفت التقرير، إلى أن أسواق المعادن كانت أصلًا في حالة شد قبل الأزمة، مع “ضيق هيكلي في أسواق المعادن الأساسية”؛ نتيجة قوة الطلب الصناعي وضعف مرونة العرض. وقد أدت الحرب إلى تفاقم هذه الضغوط.

وفي هذا السياق، ارتفع مؤشر المعادن بنسبة 29% خلال عام واحد، بينما يتوقع التقرير أن “يرتفع مؤشر المعادن الأساسية بنسبة 17% في عام 2026”، مع وصول أسعار النحاس والألومنيوم والقصدير إلى مستويات قياسية.

وسجلت أسعار الألومنيوم ارتفاعًا، يعكس انخفاض صادرات الشرق الأوسط وارتفاع تكاليف الإنتاج. وفي بيئة عالمية مضطربة، أدى ذلك إلى زيادة نشاط المضاربة في أسواق المعادن، ما أسهم في تقلبات حادة في الأسعار.

كما ارتفعت أسعار المعادن النفيسة بنسبة “42% في عام 2026”، مدفوعة بحالة عدم اليقين الجيو سياسي وزيادة الطلب على الملاذات الآمنة.

في المقابل، يُتوقع انخفاض خام الحديد إلى أدنى مستوى في سبع سنوات.

كيف غيرت الحرب معادلة الأسواق؟

يوضح التقرير أن المخاطر تميل بشكل حاد نحو ارتفاع الأسعار، إذ قد يؤدي استمرار الاضطرابات إلى وصول أسعار النفط إلى “بين 95 و115 دولارًا للبرميل في عام 2026”.

وأن صدمات الطاقة قد تمتد إلى بقية الأسواق، بما في ذلك الغاز والأسمدة والغذاء، نتيجة “زيادة الضغوط التضخمية الناجمة عن ارتفاع تكاليف الطاقة”.

ومع ذلك، فإن شدة الصدمة الحالية ستتحدد بعاملين رئيسيين: درجة الضرر الدائم الذي لحق بقدرة إنتاج السلع في الشرق الأوسط، والإطار الزمني ومدى عودة أحجام الشحن عبر مضيق هرمز.

على مستوى الاقتصاد الكلي، خفّض التقرير توقعات النمو في الاقتصادات النامية إلى “3.6% في عام 2026”، مقارنة بـ4% سابقًا، بينما ارتفع التضخم المتوقع إلى “5.1%”، وهو أعلى مستوى في أربع سنوات.

وفي السيناريوهات الأكثر تشددًا، قد يرتفع التضخم إلى “بين 5.3% و5.8%”، وهو مستوى لم يُسجل سوى في أزمة 2022 بالتزامن مع الحرب الروسية الأوكرانية.

الأمن الغذائي: توسع الهشاشة العالمية

يحذر التقرير من أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يؤدي إلى دفع “ما يصل إلى 45 مليون شخص إضافي إلى حالة انعدام الأمن الغذائي الحاد”. ويرجع ذلك إلى ارتفاع تكاليف الغذاء والنقل والأسمدة، بما يضغط على دخول الفئات الأكثر هشاشة، ويفاقم أزمة القدرة على تحمل تكاليف الغذاء عالميًا.

وقد أدى إغلاق مضيق هرمز إلى قطع الطرق البحرية أمام العديد من الاقتصادات التي تعتمد بشكل كبير على استيراد الغذاء. ومن المرجح، أن يؤدي ذلك إلى ارتفاعات كبيرة في معدلات تضخم أسعار الغذاء في بعض الدول المعتمدة على الاستيراد.

تأمين إمدادات الطاقة والسلع الأساسية

يخلص التقرير إلى أن الصدمة الحالية تعكس تحولًا عميقًا في طبيعة الأزمات الاقتصادية العالمية، وهي ضمن مسار من صدمات سابقة، فقد شكّلت جائحة كوفيد-19، والغزو الروسي لأوكرانيا، والزيادة الملحوظة في القيود التجارية منذ عام 2020، تهديدًا لسلاسل التوريد أو تسببت في تحديات مكلفة، مما زاد من الاهتمام بمفهوم الأمن الاقتصادي.

وفي المرحلة الراهنة، يثير إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة مخاوف بشأن أمن إمدادات السلع الأساسية في المستقبل، مشيرا إلى أن “الصدمات الجيو سياسية في إمدادات النفط تؤدي إلى اضطرابات كبيرة في أسواق السلع”، مع امتداد آثارها إلى التضخم والنمو والأمن الغذائي،

ويرى التقرير أن الأزمة الحالية ليست قطاعية كما في السابق، بل صدمة شاملة، قد تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي، وقد تسرع إعادة رسم خريطة تدفقات الطاقة عالميًا، من خلال تغيير مسارات النفط والغاز، والبحث عن بدائل للممرات المهددة، إلى جانب تسريع التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة والنووية.

وبجانب قطاع الطاقة، قد يزداد تركيز صانعي السياسات على تأمين إمدادات المعادن الحيوية، سواء كانت من السلع الشائعة كالنيكل والنحاس، أو من العناصر النادرة الضرورية تقنيًا رغم الحاجة إليها بكميات محدودة.

وقد يؤدي ذلك إلى تبنّي سياسات أكثر توجهًا نحو الداخل لتعزيز الإمدادات المحلية، فضلًا عن بذل جهود للتوصل إلى اتفاقيات منسقة بشأن السلع الأساسية وتطبيقها لمعالجة مخاطر الإمداد أو تحقيق استقرار الأسعار.

وفي المحصلة، يواجه العالم، مع حرب الشرق الأوسط، اختبارًا جديدًا لقدرة الاقتصاد العالمي على التكيّف مع صدمات الإمداد المتكررة.